قالت صحيفة “ذا أوبزرفر” البريطانية إن التقديرات الإقليمية والدولية لا ترى نهاية تلوح في الأفق لكابوس اليمن مع استمرار حرب الوكالة بين الإمارات والسعودية.
وأشارت الصحيفة إلى أن اليمن كاد الأسبوع الماضي ينزلق إلى مواجهة عسكرية شاملة بين السعودية والإمارات، عقب تصعيد غير مسبوق بين حلفائهما المحليين، أعاد إلى الواجهة شبح حرب الوكالة بين القوتين الخليجيتين، ورسّخ في الوقت نفسه واقعًا أشد قتامة لليمنيين العالقين في قلب صراع مفتوح بلا أفق.
وشهدت البلاد أسبوعًا من التوتر المتصاعد انتهى بانفجار عسكري واسع يوم الجمعة، مع اندلاع مواجهات عنيفة بين قوات الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، ومقاتلي «المجلس الانتقالي الجنوبي» المدعوم من الإمارات. ويُعدّ هذا التطور أخطر تصعيد منذ وصول الحرب الأهلية إلى حالة جمود نسبي عام 2022.
وتعود جذور الأزمة إلى مطلع ديسمبر/كانون الأول، عندما دفعت قوات المجلس الانتقالي من معاقلها في عدن شرقًا، وسيطرت على مساحات واسعة بمحاذاة الحدود الجنوبية للسعودية.
وكان هذا التحرك، وهو الأكبر منذ سنوات، بمثابة اختبار مباشر لتوازنات القوة داخل اليمن، وأثار مخاوف من إعادة رسم الخريطة السياسية للبلاد، وفتح الباب أمام صدام غير مباشر بين الرياض وأبوظبي عبر وكلائهما المحليين.
ومع تراجع القوات الحكومية، بدأت الإمارات شحن معدات عسكرية إلى مواقع جديدة للمجلس الانتقالي في محافظة حضرموت الشاسعة.
وبحلول منتصف الأسبوع الماضي، بدا أن المشروع الانفصالي الذي يطرحه المجلس منذ تأسيسه، والقائم على استعادة دولة الجنوب وإنهاء وجود «الجمهورية اليمنية» بعد 35 عامًا من الوحدة، بات أقرب من أي وقت مضى.
غير أن هذا المسار قوبل برد سعودي حاسم. فمنذ 26 ديسمبر/كانون الأول، شنت الرياض ضربات جوية على مواقع تابعة للمجلس الانتقالي، ووصفت تحركاته قرب حدودها بأنها تهديد مباشر للأمن القومي. وأصدرت إنذارًا نهائيًا طالبت فيه بانسحاب القوات المدعومة من الإمارات، في خطوة ترافقت مع تصعيد عسكري متسارع.
وسارعت أعداد محدودة من الأجانب والعاملين الدوليين المتبقين في اليمن إلى مغادرة البلاد، بينما اندلعت يوم الجمعة معارك ضارية للسيطرة على قواعد عسكرية في حضرموت.
وفي خضم ذلك، أعلن رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزُبيدي ما أسماه «دستور دولة جنوب العرب»، متعهدًا بإجراء استفتاء على الاستقلال خلال عامين.
لكن هذا المشروع انهار سريعًا. ففي اليوم التالي، أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا أنها استعادت السيطرة على عاصمة المحافظة.
وأظهرت مقاطع مصورة متداولة اشتباكات عنيفة في مناطق صحراوية، أعقبها إنزال علم جنوب اليمن، في مشهد عكس نهاية سريعة لمحاولة فرض واقع انفصالي بالقوة.
وقال فريع المسلمي، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس، إن الإمارات ارتكبت «سوء تقدير كبيرًا»، لكنه استبعد انسحابها الكامل من المشهد اليمني. ورجّح أن تلجأ أبوظبي إلى نمط «حرب وكالة أكثر هدوءًا»، عبر شبكات النفوذ والتهريب المتجذرة في البلاد.
وكانت السعودية والإمارات قد دخلتا حرب اليمن عام 2015 كحليفين في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران، غير أن تباين المصالح سرعان ما شقّ هذا التحالف.
فبينما ركزت الرياض على منع قيام كيان معادٍ على حدودها الجنوبية، سعت أبوظبي إلى ترسيخ نفوذ استراتيجي على السواحل اليمنية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.
ورغم سحب معظم القوات الإماراتية من اليمن عام 2019، ظل حضورها العسكري والسياسي قائمًا عبر قواعد في جزر يمنية صغيرة، وعبر فصائل محلية دربتها ومولتها لسنوات، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تأسس عام 2017 بدعم إماراتي مباشر.
وتزامنت هذه التطورات مع توترات إقليمية أوسع، شملت خلافات غير معلنة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ونظيره الإماراتي محمد بن زايد، على خلفية ملفات إقليمية مثل السودان وليبيا. ويرى مراقبون أن هذه الصراعات المتشابكة جعلت من اليمن ساحة اختبار مفتوحة لتوازنات القوة الخليجية.
ورغم أن شبح حرب الوكالة المباشرة بين الرياض وأبوظبي جرى تجنبه مؤقتًا، فإن الحصيلة، وفق «ذا أوبزرفر»، هي يمن أكثر تشظيًا، وسكان يرزحون تحت حرب لا تلوح لنهايتها أي ملامح قريبة، في ظل غياب تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الصراع بدل الاكتفاء بإدارة أزماته.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73574