في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وخاصة بعد المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وإيران في يونيو، تتجه الأنظار نحو دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تُبرز دورها كلاعب إقليمي فاعل، يتجاوز أدوار الوساطة التقليدية إلى محاولة تثبيت النفوذ وصياغة بيئة أمنية أكثر استقرارًا. ويطرح هذا الصعود تساؤلاً حيويًا: هل باتت السعودية والإمارات قادرتين، كقوتين متوسطتين، على لعب دور مستقل في إدارة الأزمات الإقليمية المعقدة؟
قوى اقتصادية تطمح لدور جيوسياسي
لم تعد السعودية والإمارات مجرد مصدرين للطاقة. فاليوم، بفضل الصناديق السيادية الضخمة مثل “صندوق الاستثمارات العامة” و“مبادلة”، تستثمر الدولتان في قطاعات استراتيجية تشمل الطاقة المتجددة، التكنولوجيا الحيوية، الذكاء الاصطناعي، وشبكات الكابلات البحرية. وتسعى الرياض لأن تكون بوابة مالية تربط بين الشرق والغرب، عبر استضافة فعاليات رياضية كبرى، وترويج مشاريع مثل “رؤية 2030”.
في الوقت نفسه، ظهرت ملامح دبلوماسية أكثر استقلالاً، مدفوعة بتراجع الاعتماد على الحماية الأميركية، والقلق من سياسات إيران وإسرائيل. من أبرز مظاهر هذا التحول كانت الوساطة الصينية التي رعتها الرياض في 2023 للمصالحة مع طهران، ومشاركة دول الخليج في ملفات تمتد من السودان إلى الحبوب الأوكرانية، ووصولًا إلى النزاع في غزة.
الخليج في قلب العاصفة
أعادت المواجهة الإسرائيلية–الإيرانية الأخيرة تسليط الضوء على هشاشة منطقة الخليج أمام التصعيد. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره قرابة 30% من صادرات النفط العالمية، أصبح مجددًا محور قلق. التصعيد الأخير أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، اضطرابات في الشحن، وإلغاء رحلات جوية. وقد أكدت هذه التطورات أن أمن الخليج لا يمكن فصله عن الأزمات الإقليمية، وأنه بات على دول الخليج بناء منظومات ذاتية للردع والتعامل مع الأزمات.
تباين خليجي في المواقف
رغم إصدار مجلس التعاون الخليجي بيانًا موحدًا يُدين الهجوم الإسرائيلي على إيران، ظهرت اختلافات واضحة في ردود الفعل:
عُمان، التي استضافت سابقًا محادثات سرية بين واشنطن وطهران، رأت أن الضربة تقوّض الاستقرار وتقوض جهود الوساطة.
قطر عرضت لعب دور الوسيط، خصوصًا بعد استهداف قاعدة العديد الجوية، مؤكدة حيادها وتمسكها بالدبلوماسية.
السعودية أعربت في اتصال مع الرئيس الإيراني عن تضامنها الإسلامي، واعتبرت التصعيد تهديدًا لرؤية المملكة الاقتصادية.
الإمارات دعت إيران إلى استعادة الثقة مع الجيران، ما عُدّ موقفًا حذرًا لكنه يعكس توجّسًا من النوايا الإيرانية.
البحرين والكويت التزمتا الحذر، مفضلتين التحضير للطوارئ وتفادي الاصطفاف العلني.
هذا التباين يُبرز التوتر المستمر بين الرغبة في الاستقلال الاستراتيجي من جهة، والحاجة إلى المظلة الغربية من جهة أخرى.
نحو هندسة أمن إقليمي جديدة
مع تراجع الضمانات الأمنية الأميركية، بدأت دول الخليج تدرك أن بقاءها في موقع رد الفعل لم يعد كافيًا. ولهذا تُطرح اليوم مبادرات لتأسيس بنية أمنية مستقلة:
آلية إنذار مبكر واستجابة إقليمية: تشمل الخليج، إيران وربما إسرائيل، لمعالجة الأزمات النووية والسيبرانية، وبدعم من الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة الصحة العالمية.
مبادرة خليجية للأمان النووي: تتضمن تدريبات مشتركة وتنسيقًا مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تحالف إقليمي للصحة العامة: يشمل مراقبة الأمراض وتوزيع اللقاحات، تحضيرًا لمواجهة الجوائح.
تحفيزات اقتصادية مشروطة: عبر الصناديق السيادية، لمكافأة السلوك الإيجابي من إيران أو حتى إسرائيل، ضمن رؤية تُربط فيها التهدئة بالأرباح الاقتصادية.
من الهشاشة إلى النفوذ
أثبتت الأزمة الأخيرة أن دول الخليج لم تعد مجرد ساحة للصراع، بل لاعبًا يملك أدوات التأثير. وقد أظهرت السعودية والإمارات انفتاحًا على المبادرات الإقليمية، بينما واصلت قطر وعُمان أداء دور الوسيط المحايد. لكن الخبراء يحذرون: هذا الطموح يجب أن يُترجم إلى مؤسسات، ومشاريع ملموسة تتجاوز التصريحات.
فبدون تنسيق خليجي حقيقي، ورؤية واضحة لموقع المنطقة في النظام العالمي الجديد، قد تُفقد هذه الفرصة التاريخية. لكن إذا نجحت دول الخليج في تحويل قوتها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي مستدام، فقد تفرض نفسها كقوى متوسطة لا غنى عنها في رسم مستقبل الشرق الأوسط.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72218