كشفت تداعيات الحرب المرتبطة بإيران عن تحوّل الصراع إلى أزمة اقتصادية عالمية ممتدة، تتجاوز حدود المواجهة العسكرية لتضرب سلاسل الإمداد والطاقة في عمق الاقتصاد الدولي، في وقت تجد فيه الحكومات نفسها مضطرة لاتخاذ إجراءات استثنائية لتفادي الانهيار.
وبدأت عدة دول خاصة في آسيا، فرض تدابير طارئة تشمل تقنين الطاقة، وإغلاق مؤسسات تعليمية، وتقليص ساعات العمل، في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة التي تفجرت مع تعطّل حركة الطاقة عبر مضيق هرمز.
وتعكس هذه الإجراءات حجم الصدمة التي أصابت الأسواق العالمية، حيث يعتمد نحو 20% من إمدادات النفط العالمية على المرور عبر هذا الممر الحيوي، ما يجعل أي تعطيل فيه سبباً مباشراً في اختلال التوازن بين العرض والطلب، ويدفع الأسعار إلى مستويات قياسية.
وتوضح المعادلة الاقتصادية أن تراجع الإمدادات بشكل حاد، دون انخفاض موازٍ في الطلب، يؤدي حتماً إلى ارتفاع الأسعار ونقص السلع، وهو ما بدأ يتجسد فعلياً في الأسواق، مع تسجيل اضطرابات واسعة في توفر الوقود ومشتقاته.
وتكشف المعطيات أن الأزمة لا تقتصر على النفط الخام، بل تمتد إلى منتجات حيوية أخرى مثل الديزل ووقود الطائرات وغاز البترول المسال، الذي تعتمد عليه ملايين الأسر في التدفئة والطهي، ما يوسع نطاق التأثير ليشمل الحياة اليومية للمواطنين.
وتؤكد التقديرات أن أكثر من 80% من النفط المار عبر المضيق يتجه إلى آسيا، ما يفسر شدة التأثير في هذه المنطقة، حيث تواجه دول عدة نقصاً حاداً في الإمدادات وارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار.
وتشير بيانات صادرة عن JPMorgan إلى أن العجز في الإمدادات قد يصل إلى نحو 12 مليون برميل يومياً، وهو رقم يعكس حجم الفجوة في الأسواق، ويؤكد أن التوازن لن يتحقق إلا عبر خفض الاستهلاك بشكل قسري.
وتظهر الإجراءات الحكومية حجم الأزمة، حيث أغلقت بنغلاديش الجامعات، وحددت كوريا الجنوبية أسعار الغاز لأول مرة منذ عقود، فيما شجعت تايلاند العمل عن بعد، وفرضت الفلبين أسبوع عمل مختصر، بينما اتخذت باكستان إجراءات مشابهة شملت إغلاق المدارس ورفع أسعار الطاقة.
وتكشف هذه القرارات أن الحكومات لم تعد قادرة على التعامل مع الأزمة عبر أدوات السوق التقليدية، بل لجأت إلى تدخلات مباشرة لضبط الاستهلاك، في مؤشر على دخول الاقتصاد العالمي مرحلة إدارة أزمات حقيقية.
وتوضح التطورات في الهند حجم التأثير الاجتماعي للأزمة، حيث بدأت تظهر مظاهر الاحتكار والتلاعب بالأسعار، مع اندفاع المواطنين لتخزين الغاز، في وقت أغلقت فيه فنادق ومطاعم أبوابها بسبب نقص الإمدادات، في مشهد يعيد إلى الأذهان تداعيات جائحة كورونا.
وتعكس إجراءات غير مسبوقة، مثل تعليق عمليات حرق الجثث المعتمدة على الغاز في بعض المدن، مدى عمق الأزمة التي باتت تمس حتى الجوانب الإنسانية الأساسية، ما يؤكد أن تداعيات الحرب تجاوزت الاقتصاد إلى تفاصيل الحياة اليومية.
وتشير المعطيات إلى أن الدول الأكثر تضرراً هي تلك التي تعتمد على استيراد الطاقة، في حين تواجه أوروبا بدورها خطر ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء، ما دفعها إلى بحث إجراءات استثنائية تشمل وضع سقوف للأسعار.
وتحاول بعض الدول التكيف عبر استخدام احتياطياتها، حيث أطلقت اليابان كميات كبيرة من مخزونها النفطي، في محاولة لاحتواء الأسعار، بينما قد تجد دول أخرى نفسها مضطرة لتغيير أنماط استهلاكها أو العودة إلى مصادر طاقة بديلة.
وتبرز الصين كحالة خاصة، حيث قد تستفيد نسبياً من الأزمة بفضل احتياطياتها الكبيرة وقدرتها على التحول إلى الفحم، إضافة إلى استفادة قطاع الطاقة المتجددة من ارتفاع أسعار الوقود التقليدي.
وتعكس هذه الأزمة سلسلة من الصدمات الاقتصادية التي شهدها العالم خلال العقد الأخير، بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بالحرب في أوكرانيا، وصولاً إلى السياسات التجارية الأمريكية، ما يضع الاقتصاد العالمي تحت ضغط مستمر ومتزايد.
ويؤكد مراقبون أن الحرب الحالية كشفت هشاشة النظام الاقتصادي العالمي، واعتماده الكبير على نقاط اختناق استراتيجية مثل مضيق هرمز، ما يجعل أي تصعيد عسكري يتحول سريعاً إلى أزمة عالمية شاملة.
وتختصر تصريحات فرديناند ماركوس الابن طبيعة المرحلة، حيث أكد أن بلاده “ضحية حرب لم تخترها”، في تعبير يعكس واقع دول عديدة تجد نفسها تدفع ثمن صراع خارج حدودها.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74402