حرب إسرائيل مع إيران تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط وتقوّض اندفاعة التطبيع

أعادت حرب إسرائيل مع إيران ترتيب الأولويات والتحالفات في الشرق الأوسط، بعدما قلبت نتائجها العسكرية السريعة حسابات دول كانت على أعتاب توقيع اتفاقات تاريخية مع تل أبيب، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

ففي غضون 12 يوماً فقط، حقق الجيش الإسرائيلي ما وصفته وول ستريت جورنال بـ«انتصار ساحق» على خصمه الإيراني، عبر سلسلة ضربات استهدفت قدرات طهران النووية والعسكرية ووكلاءها في المنطقة، كحزب الله وحماس، وساهمت حتى في اهتزاز موقف نظام الأسد المدعوم من إيران في سوريا.

تراجع دافع التطبيع السعودي

قبل هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023، كانت السعودية قاب قوسين أو أدنى من توقيع اتفاق اعتراف دبلوماسي بإسرائيل، بعدما خاضت مفاوضات دقيقة استمرت لسنوات.

وقد كان من شأن هذا الاتفاق أن يؤسس تحالفاً عربياً-إسرائيلياً لمواجهة التهديد الإيراني، ويضمن دعماً أميركياً أمنياً للمملكة، ويفتح أبواب اندماج إسرائيل في العالمين العربي والإسلامي.

لكن الانتصار العسكري الأخير لإسرائيل على إيران غيّر المشهد تماماً. إذ باتت الرياض أقل استعجالاً في الانخراط بتحالف علني مع إسرائيل، بعدما رأت أن تل أبيب قادرة بمفردها على تحجيم إيران عسكرياً واستخباراتياً.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا التغيير يُقلّص أحد أبرز دوافع السعودية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ويزيد من حذرها تجاه القوة الإسرائيلية المتعاظمة، خصوصاً في ظل استعداد تل أبيب لتحمّل مخاطر كبيرة في سبيل تحقيق أهدافها الأمنية.

هواجس خليجية من تفوق إسرائيل العسكري

مع تراجع تهديد إيران المباشر بفعل الضربات الإسرائيلية، يجد قادة الخليج أنفسهم أمام معضلة جديدة: هل ستصبح إسرائيل نفسها قوة منفلتة في الإقليم؟

قال بدر السيف، خبير شؤون الخليج في جامعة الكويت، إن «كل شيء في حالة تغيّر»، موضحاً أن دول الخليج تتابع بقلق التفوّق العسكري والاستخباراتي المفاجئ لإسرائيل، الذي قد يدفعها للتصرف أحادياً دون تنسيق إقليمي.

وهو ما أكده نائب الكونغرس الأميركي زاك نان، عقب لقاء وفد من الكونغرس مع مسؤولين من السعودية والإمارات والبحرين، إذ قال إن «إسرائيل أصبحت ضحية نجاحها»، في إشارة إلى القلق الخليجي من أن إسرائيل قد تتخذ قرارات عسكرية كبرى دون تشاور مع حلفائها العرب.

أولويات سعودية متغيرة

رغم أن إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب تسعى حالياً لاستثمار وقف إطلاق النار مع إيران لإحياء موجة جديدة من اتفاقيات التطبيع على غرار اتفاقيات إبراهيم، إلا أن الطريق بات أكثر وعورة.

فالسعودية، بحسب مسؤولين تحدثوا إلى الصحيفة، ترفض المضي قدماً في التطبيع ما دام الصراع في غزة بلا حلّ، إذ خلّفت الحرب أكثر من 56 ألف قتيل، وفق الإحصائيات الفلسطينية التي لا تفصل بين المدنيين والمقاتلين.

كما تتمسك الرياض بمطلب أساسي يتمثل في وجود مسار حقيقي لإقامة دولة فلسطينية، وهو مطلب ترفضه إسرائيل بحزم، معتبرة أن جذور الصراع لا تُحل عبر دولة فلسطينية كاملة السيادة.

وقال مسؤول سعودي للصحيفة: «الأولوية هي دولة فلسطين، لا الخطر الإيراني… سيستغرق الأمر وقتاً كبيراً والمساحة غير جاهزة الآن».

التوازن الدقيق في الخليج

الحرب الأخيرة وضعت دول الخليج أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، ترى هذه الدول أن تحالفها الأمني مع إسرائيل قد وفّر حماية قوية ضد إيران، التي لطالما هددت بضرب دول الخليج بالصواريخ أو عبر أذرعها المسلحة في اليمن والعراق وسوريا ولبنان.

ومن جهة أخرى، تخشى أن تصبح إسرائيل قوة منفلتة تتصرف منفردة، وتجرّ المنطقة إلى صراعات أوسع تهدد استقرارها الاقتصادي والأمني.

ويكشف تراجع الحماس الخليجي للتطبيع عن تحوّل أعمق في استراتيجيات المنطقة. ففي 2023، طوت الإمارات والسعودية صفحة من القطيعة مع إيران من خلال استئناف العلاقات الدبلوماسية معها، سعياً لتقليل التوتر وتفادي الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

ورغم جهود واشنطن لإحياء مسار التطبيع، ترى دول الخليج اليوم أن أمنها لا يمكن رهنه بالكامل بحسابات إسرائيل أو سياساتها الأحادية.

وهكذا، أفضت حرب إسرائيل مع إيران إلى خلط أوراق التحالفات وأبطأت اندفاعة التطبيع، تاركة الشرق الأوسط أمام مشهد أكثر تعقيداً وتحوّلاً من أي وقت مضى.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.