ثروة العراق في خزائن نيويورك: حماية مالية أم نفوذ أمريكي طويل الأمد؟

لا يزال ملف إيداع عائدات مبيعات النفط العراقية في الولايات المتحدة يمثل واحداً من أكثر الملفات الاقتصادية والسيادية إثارة للجدل داخل العراق وخارجه، وسط تساؤلات مستمرة حول ما إذا كان هذا النظام يمثل شبكة أمان مالية ضرورية لبغداد، أم أنه أداة نفوذ استراتيجية تمنح واشنطن تأثيراً واسعاً على الاقتصاد العراقي.

وقد بدأ هذا الترتيب بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، عندما أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1483 الذي دعا إلى حماية عائدات النفط العراقي وأصوله من الدائنين، بهدف تمكين العراق من إعادة الإعمار والتفاوض على سداد ديونه الخارجية.

وبعد ذلك، أصدر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الأمر التنفيذي 13303، الذي منح حصانة قانونية لأموال العراق وأصول البنك المركزي والحكومة العراقية من أي ملاحقات قضائية.

وتم توسيع هذه الحماية لاحقاً عبر أوامر تنفيذية إضافية، وأُدرجت ضمن قانون الطوارئ الأمريكي، مع استمرار تجديدها سنوياً حتى اليوم، مع إدخال تعديلات خلال إدارة الرئيس باراك أوباما بعد أن تمكن العراق من تسوية جزء من ديونه، خصوصاً الديون المرتبطة بفترة حكم صدام حسين.

في تلك المرحلة، كان العراق يواجه عبئاً مالياً ضخماً، حيث بلغت ديونه للكويت والسعودية نحو 55 مليار دولار، معظمها مرتبط بالحرب العراقية الإيرانية.

وكانت هناك خلافات حول طبيعة هذه الأموال، إذ اعتبرها النظام العراقي السابق دعماً مالياً، بينما اعتبرتها الدول الخليجية قروضاً واجبة السداد.

كما كان نطاق الدائنين المحتملين واسعاً، إذ لم يقتصر على الدول، بل شمل شركات وأفراداً، وحتى عراقيين كانوا قادرين على رفع دعاوى تعويض ضد الحكومة بسبب سياسات النظام السابق.

ويرى بعض المراقبين أن هذه الحصانة القانونية جعلت القطاع النفطي العراقي أكثر جذباً للشركات العالمية، حيث يمكن لبعض الشركات الاستثمار في مشاريع مرتبطة بالنفط العراقي والاستفادة من الحماية القانونية المرتبطة بهذه العائدات.

لكن في المقابل، يمنح هذا النظام الولايات المتحدة نفوذاً اقتصادياً كبيراً على العراق، خاصة أن النفط يمثل نحو 90% من إيرادات الموازنة العراقية.

وقد برز هذا النفوذ بشكل واضح عام 2020، عندما طلبت الحكومة العراقية انسحاب القوات الأمريكية، حيث أفادت تقارير بأن واشنطن لوّحت بإمكانية تقييد وصول العراق إلى أمواله المودعة في الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ما شكل ضغطاً سياسياً واقتصادياً كبيراً على بغداد.

في المقابل، يقول مسؤولون عراقيون إن هذا النظام لعب دوراً مهماً في تحقيق الاستقرار المالي للبلاد، حيث ساهم في تعزيز ثقة الأسواق الدولية بإدارة عائدات النفط العراقية، وسهّل وصول العراق إلى الدولار اللازم لتمويل التجارة والاستيراد. كما ساعد في حماية الإيرادات من المطالبات القانونية الخارجية والصدمات المالية، بما في ذلك مطالبات الدائنين الدوليين.

ويؤكد مسؤولون أن هذا الترتيب ساهم أيضاً في دعم استقرار سعر صرف الدينار العراقي وتعزيز الثقة بالنظام المصرفي، كما منح الحكومة أدوات لمواجهة شبكات مالية غير قانونية، خاصة في ظل العقوبات الأمريكية التي فُرضت على بنوك وشخصيات عراقية متهمة بغسل أموال لصالح جهات مرتبطة بإيران.

ومع استمرار اعتماد العراق الكبير على النفط كمصدر رئيسي للدخل، يبقى الجدل قائماً حول مستقبل هذا النظام، بين من يرى أنه ضرورة لحماية الاقتصاد العراقي، ومن يعتبره عائقاً أمام تحقيق استقلال اقتصادي كامل.

ويبدو أن بغداد ما زالت تحاول الموازنة بين الحفاظ على الاستقرار المالي الدولي، وبين السعي لتعزيز سيادتها الاقتصادية في ظل نظام مالي عالمي تهيمن عليه المؤسسات الأمريكية والدولار.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.