
باريس – استمرت المظاهرات الطلابية والاجتماعية في فرنسا للسبت الثالث على التوالي، حيث امتلأت شوارع المدن الكبرى والمتوسطة بآلاف المتظاهرين، مما دفع السلطات إلى تعبئة قوة أمنية ضخمة تتجاوز سبعين ألف عنصر من الشرطة والدرك والوحدات المتخصصة، مدعومة بآليات مصفوفة وقوات عسكرية ضمن عملية الحراسة. ومع كل أسبوع يمر، يتجدد التساؤل حول موعد انتهاء هذه التعبئة المستمرة، خاصة أن الحكومة تواجه تحديات متعددة تشمل العجز عن كبح الاحتجاجات أو ضمان الاستقرار الاقتصادي في ظل ديون عملاقة تبلغ ثلاثة آلاف ومئة مليار يورو.
وتشير التحليلات السياسية إلى أن الدولة الفرنسية تعاني من غياب ثلاثة عوامل أساسية للخروج من الأزمة الاجتماعية الاقتصادية، وهي الزمن والموارد والثقة. فالزمن السياسي للرئيس إيمانويل ماكرون يقترب من نهايته قبل أقل من ستة أشهر، مما يقلص من نفوذه السياسي ويوجه الأنظار نحو الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وفيما يتعلق بالموارد، تجد حكومة سيباستيان لوكورنو صعوبة بالغة في تمرير ميزانية التقشف لعام 2027، مما يعيق قدرتها على شراء السلم الاجتماعي. أما الثقة، فهي مفقودة تماماً بين المواطنين والحكومة، إذ إن الاستجابات الجزئية للمطالب لم تلقَ الترحيب، نظراً لعدم وضوحها وعدم كفايتها، ولأن الوعود الحكومية تفقد مصداقيتها في ظل قرب انتهاء الولاية الرئاسية الحالية.
وتركز السلطات جهودها على منع تكرار أحداث السبت الأسود في السابع عشر من أكتوبر الماضي، عندما فقدت القوى الأمنية السيطرة على الوضع وسادت الفوضى في أحياء وشوارع كاملة. وقد تفاقم الموقف نزول مجموعات من اليمين الراديكالي إلى الشوارع بحجة حماية المحال التجارية، حيث انقضت على المتظاهرين في أكثر من عشر مدن، مما زاد المخاوف من اندلاع حرب شوارع محتملة بين هذه المجموعات وتيارات اليسار المتطرف المعروفة باسم «بلاك بلوك».
وجاءت مظاهرات هذا السبت بدعوة من حركة السترات الصفراء التي انضم إليها العديد من نقابات التلامذة والطلاب، بدعم من الأحزاب اليسارية وعلى رأسها حزب فرنسا الأبية الذي يتزعمه المرشح الرئاسي جان لوك ميلونشون. وزادت الأجواء اكفهاراراً بعد الجريمة الإرهابية العنصرية التي ارتكبها كيفين تيسيه في الثالث والعشرين من الشهر المنتهي، والتي أسفرت عن مقتل شاب أسود وإصابة سبعة أشخاص آخرين، بما فيهم طفلة في الثانية عشرة من عمرها، مما أثار غضباً واسعاً وأبرز عمق الانقسامات الاجتماعية.
وأحصت الأجهزة الأمنية ما لا يقل عن مئة وخمسين مظاهرة عبر البلاد، فيما تداخلت مطالب المتظاهرين الذين ضموا طلاباً ونقابات عمالية وسترات صفراء، وهو الأمر الذي سعت الحكومة لتجنبه. ورغم محاولات استمالة الطلاب، فإنهم ساروا في مقدمة المظاهرات، مما أفشل استراتيجية التخويف الأمني. وخلال الفترة الممتدة من الثامن والعشرين من سبتمبر إلى الخامس من أكتوبر، ألقي القبض على أكثر من ستة آلاف شخص، كان القُصّر يمثلون نحو خمسة وثمانين بالمائة منهم، وهي أرقام غير مسبوقة دفعت الأهالي للانضمام إلى المسيرات لحماية أبنائهم من عنف الشرطة.
وتتسع المطالب لتشمل غلاء المعيشة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية والمطالبة بزيادة الرواتب وتعزيز الخدمات الحكومية والاجتماعية. وفي الوقت نفسه، تسعى التيارات السياسية المتطرفة، بقيادة مارين لوبان وجان لوك ميلونشون، لاستغلال موجة الاستياء للوصول إلى قصر الإليزيه، بينما تبقى الأحزاب القائمة حائرة وغير مسموعة. وحظيت مظاهرات السبت بتزامن مع احتفالات الهالوين، مما دفع وزير الداخلية للتحذير من ارتداء الأقنعة التي ترتب عليها عقوبات وغرامات.
وسعت مديريات الشرطة والمحافظون إلى منع المظاهرات في وسط المدن الرئيسية، مثل باريس وليون ومرسيليا. وفي باريس، نجحت مديرية الشرطة في فرض مسار المظاهرة شرق العاصمة بعيداً عن المناطق الحيوية. وفي المقابل، دعا طلاب التعليم الثانوي والجامعي إلى إغلاق المدارس والكليات يومي الثالث والخامس من نوفمبر، مما أثار خشية السلطات من نشوء حالة تمردية في باريس بسبب وجود مئات الناشطين من اليسار المتطرف القادمين من الضواحي، مما يذكّر بأحداث أكتوبر الماضية.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار خليج 24.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=77343


