تحرّك سعودي متجدد لمحاولة حلّ حرب السودان وسط تعقيدات ميدانية وضغوط دولية

في ظل تصاعد الكارثة الإنسانية واستعصاء الحل العسكري، تكثّف المملكة العربية السعودية تحركاتها الدبلوماسية لإيجاد مخرج سياسي لحرب السودان المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023.

وفي هذا السياق، أجرى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان محادثات في الرياض مع قائد القوات المسلحة السودانية الجنرال عبد الفتاح البرهان، في محاولة جديدة لدفع مسار التهدئة ووقف النزاع الذي دمّر البلاد وأدخلها في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وذكرت وكالة الأنباء السعودية أن اللقاء تناول “آخر التطورات في السودان وتداعياتها، والجهود المبذولة لتحقيق الأمن والاستقرار”، دون الخوض في تفاصيل محددة.

غير أن توقيت اللقاء يعكس، بحسب مراقبين، رغبة سعودية واضحة في إعادة تنشيط مسار الوساطة الإقليمية والدولية، خصوصًا في ظل تعثر المبادرات السابقة واستمرار القتال على نطاق واسع.

وتزامنت زيارة البرهان إلى الرياض مع وجود المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أفريقيا، مسعد بولس، في العاصمة السعودية، حيث شارك في مشاورات تتعلق بإنهاء القتال في السودان.

كما عقد بولس اجتماعًا مع وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، أكد فيه الجانبان أهمية تعزيز الجهود المشتركة لدعم الاستقرار الإقليمي والدفع نحو تسوية سياسية للنزاع السوداني.

ووصف بولس المحادثات بأنها “مثمرة ومتطلعة للمستقبل”، مشيرًا إلى دور السعودية المحوري في معالجة أزمات المنطقة.

ويأتي هذا الحراك الدبلوماسي في وقت تتواصل فيه المعارك بين القوات المسلحة السودانية، بقيادة البرهان، وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي).

وتُظهر الخريطة الميدانية انقسامًا حادًا في السيطرة، إذ تهيمن قوات الدعم السريع على إقليم دارفور بالكامل وأجزاء واسعة من كردفان، بينما تحتفظ القوات المسلحة بالخرطوم والمناطق الشرقية والوسطى والشمالية.

ورغم الضغوط الدولية المتزايدة، يواصل البرهان رفضه دعوات وقف إطلاق النار، متمسكًا بخيار الحسم العسكري، ومؤكدًا أن القتال لن يتوقف قبل “هزيمة قوات الدعم السريع”.

كما وجّه انتقادات حادة لما يُعرف بمجموعة الحوار الرباعي، التي تضم السعودية والإمارات ومصر والولايات المتحدة، واصفًا إياها بالمنحازة، في موقف أثار استياءً واسعًا لدى الأطراف الدولية الساعية للوساطة.

وتواجه القيادة العسكرية السودانية اتهامات خطيرة، من بينها عرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق النزاع، والسماح باستخدام أسلحة محظورة.

وقد فرضت الولايات المتحدة بالفعل عقوبات على البرهان، وسط تقارير تتحدث عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، الأمر الذي يزيد من تعقيد أي مسار تفاوضي ويضعف فرص التوصل إلى تسوية سريعة.

وبرزت بارقة أمل محدودة الشهر الماضي عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استعداده للمساعدة في إنهاء الحرب، بعد أن حثه ولي العهد السعودي على التدخل خلال زيارة سابقة لواشنطن.

غير أن إصرار البرهان على استمرار القتال حتى القضاء الكامل على قوات الدعم السريع شكّل، بحسب مراقبين، عقبة رئيسية أمام أي اختراق دبلوماسي، سواء من الجانب الأميركي أو الإقليمي.

على الأرض، تواصل الحرب حصد الأرواح وتدمير ما تبقى من مؤسسات الدولة السودانية.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى مقتل عشرات الآلاف، وتشريد أكثر من 12 مليون شخص، فضلًا عن تفاقم الجوع وانهيار الخدمات الأساسية، ما جعل السودان بؤرة لأكبر أزمة نزوح ومجاعة في العالم حاليًا.

وفي مؤشر إضافي على خطورة الوضع، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن المنظمة الدولية تعتزم عقد لقاءات مع أطراف النزاع في جنيف، في محاولة لإحياء المسار السياسي، دون تحديد موعد واضح.

كما أدان غوتيريش غارة بطائرة مسيّرة استهدفت قاعدة لوجستية تابعة للأمم المتحدة في مدينة كادوقلي بولاية كردفان، وأسفرت عن مقتل ستة من جنود حفظ السلام البنغلاديشيين وإصابة آخرين، ما يسلط الضوء على المخاطر المتزايدة التي تواجه حتى البعثات الدولية.

في المحصلة، يعكس اللقاء بين ولي العهد السعودي والبرهان استمرار الرهان السعودي على الحل السياسي، لكن نجاح هذا المسار يبقى مرهونًا بمدى استعداد الأطراف السودانية، وفي مقدمتها القيادة العسكرية، لتقديم تنازلات حقيقية تضع حدًا للحرب وتفتح الباب أمام تسوية تنقذ السودان من الانهيار الشامل.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.