وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الأربعاء الماضي، أمراً تنفيذياً يقضي بانسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة ومبادرة دولية متعددة الأطراف، نصفها تقريباً تابع لمنظومة الأمم المتحدة، في خطوة اعتُبرت تأكيداً جديداً لسياسة «أمريكا أولاً» التي تميز الولاية الثانية للإدارة الحالية، وتؤشر إلى ابتعاد متزايد عن العمل الجماعي الدولي.
ويشمل الانسحاب مؤسسات وهيئات تغطي طيفاً واسعاً من القضايا، بدءاً من تغيّر المناخ وحماية البيئة، مروراً ببناء الدول الديمقراطية، وصولاً إلى مكافحة الإرهاب ومنع النزاعات.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في بيان رسمي إن إدارة ترامب خلصت إلى أن هذه المؤسسات «زائدة عن الحاجة، وسوء إدارتها مزمن، وغير ضرورية، ومبذرة، ومستغلة من قبل جهات تسعى لفرض أجندات تتعارض مع المصالح الأمريكية أو تشكل تهديداً لسيادة البلاد وحرياتها وازدهارها».
وأضاف روبيو أن الرئيس ترامب «كان واضحاً منذ البداية: لم يعد مقبولاً ضخ دماء وعرق وأموال دافعي الضرائب الأمريكيين في مؤسسات دولية لا تقدم مقابلاً ملموساً»، مؤكداً أن «عصر تحويل مليارات الدولارات إلى مصالح خارجية على حساب الشعب الأمريكي قد انتهى».
وضمت قائمة المنظمات التي شملها القرار هيئات معنية بالمناخ والطاقة والبيئة، من بينها هيئة الأمم المتحدة للمياه، وهيئة الأمم المتحدة للمحيطات، واتفاقية الطاقة الخالية من الكربون على مدار الساعة، إضافة إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وهو ما ينسجم مع أولويات الإدارة الحالية التي تركز على العودة إلى مصادر الطاقة التقليدية مثل الفحم والنفط.
لكن القرار شمل أيضاً كيانات كانت تحظى تاريخياً بدعم إدارات أمريكية متعاقبة، بغض النظر عن توجهاتها السياسية، مثل سجل الأمم المتحدة للأسلحة التقليدية، ومكتب الممثل الخاص للأمين العام المعني بالأطفال في النزاعات المسلحة، والمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، ما أثار تساؤلات بشأن تداعيات الانسحاب على ملفات الأمن وحقوق الإنسان.
ويرى باولو فون شيراخ، رئيس معهد السياسة العالمية، أن نهج الإدارة الأمريكية بات يقوم على العلاقات الثنائية بدلاً من الأطر متعددة الأطراف.
وقال إن «هذه الإدارة تفضل التفاوض المباشر: إذا أردتم التحدث إلى الولايات المتحدة، فافعلوا ذلك وجهاً لوجه مع الرئيس أو إدارته»، معتبراً أن العمل عبر المنظمات الدولية «مضيعة للوقت والمال» من وجهة نظر البيت الأبيض.
وليس هذا التحول جديداً بالكامل، إذ سبق لإدارة ترامب خلال ولايته الأولى أن انسحبت من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ثم عادت في ولايته الثانية لتنسحب من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وتوقف التمويل الأمريكي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، مبررة ذلك بما وصفته «تحيزاً ضد إسرائيل» وإدراج دولة فلسطين في هذه الهيئات.
في المقابل، حذرت منظمات مجتمع مدني من تداعيات القرار. وقال تحالف «سيفيكوس» إن الانسحاب «يحمل آثاراً خطيرة على شعوب الولايات المتحدة والعالم، ويقوض التقدم في حقوق الإنسان والتنمية المستدامة»، داعياً إلى الدفاع عن التعددية والتضامن العالمي.
كما عبّر مسؤولون أمميون وخبراء عن مخاوف من أن يفتح الانسحاب الأمريكي الباب أمام قوى دولية أخرى، وفي مقدمتها الصين، لملء الفراغ وتعزيز نفوذها داخل مؤسسات الأمم المتحدة، ما قد يعيد تشكيل موازين التأثير داخل النظام الدولي الذي ساهمت واشنطن نفسها في بنائه بعد الحرب العالمية الثانية.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73637