تشهد الإمارات العربية المتحدة تحوّلًا ديموغرافيًا لافتًا يثير قلقًا متزايدًا داخل الأوساط الرسمية والمجتمعية، مع تسجيل تراجع حاد في معدلات المواليد بين المواطنين تجاوز 13.5% خلال العقد الأخير، في وقت يرتفع فيه إجمالي عدد المواليد في الدولة مدفوعًا بالنمو السكاني للمقيمين.
وأعادت هذه المفارقة الرقمية ملف الخصوبة والزواج إلى صدارة النقاش العام في الإمارات، وسط تحذيرات من تداعيات بعيدة المدى على التركيبة السكانية والهوية الوطنية.
وتشير البيانات المتاحة إلى أن عدد المواليد المواطنين انخفض من أكثر من 34 ألف مولود في منتصف العقد الماضي إلى أقل من 30 ألفًا بحلول عام 2023، في مسار تنازلي مستمر يعكس تغيرات اجتماعية واقتصادية عميقة.
في المقابل، سجّل إجمالي المواليد في الدولة ارتفاعًا بنحو 5.4%، ما يعني تقلص الوزن النسبي للمواطنين داخل الهرم السكاني، واتساع الفجوة الديموغرافية بينهم وبين غير المواطنين.
وترافق هذا التراجع مع انخفاض واضح في معدل الخصوبة الكلي للمرأة الإماراتية.
فبعد أن كان المعدل يقترب من 3.7 طفل لكل امرأة قبل أقل من عقد، هبط إلى نحو 2.9 في عام 2023، قبل أن تكشف تصريحات رسمية لاحقة عن وصوله إلى قرابة 2.3 في نهاية عام 2025.
ويُعد هذا الرقم قريبًا من “نقطة الإحلال” الديموغرافية البالغة 2.1 طفل، وهي الحد الأدنى اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان دون انكماش.
ويحذّر مختصون من أن تسارع الانخفاض، لا الرقم وحده، هو العامل الأخطر. فالمؤشرات تُظهر انحدارًا سريعًا قد يدفع المجتمع إلى ما يُعرف بـ“منطقة اللاعودة” خلال فترة قصيرة، ما لم تُتخذ إجراءات جذرية تعكس الاتجاه الحالي.
وتزداد المخاوف مع تسجيل ارتفاع تدريجي في متوسط الأعمار، واتساع شريحة كبار السن مقابل تقلص القاعدة الشبابية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على سوق العمل والنمو الاقتصادي والاستدامة الاجتماعية.
وتتعدد أسباب هذا التحول الديموغرافي. في مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة، ولا سيما السكن والتعليم، إلى جانب تضخم تكاليف الزواج، التي تشير تقارير رسمية إلى أنها ترتفع سنويًا بنسب تتراوح بين 10 و20%.
ودفعت هذه العوامل شريحة واسعة من الشباب إلى تأجيل الزواج، أو العزوف عنه كليًا، ما انعكس بدوره على معدلات الإنجاب.
وتظهر الأرقام أن متوسط عمر الزواج ارتفع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. فقد تجاوز متوسط عمر الزواج لدى الذكور المواطنين 32 عامًا، ولدى الإناث قرابة 29 عامًا، مقارنة بأعمار أقل بنحو عامين إلى ثلاثة أعوام قبل أقل من عقد وهو ما يقلّص بطبيعته سنوات الخصوبة الفعلية، ويؤدي إلى انخفاض عدد الأطفال لكل أسرة.
وإلى جانب العوامل الاقتصادية، تلعب التحولات القيمية وأنماط الحياة الحديثة دورًا مؤثرًا. إذ باتت الأولويات المهنية والرفاه الفردي تحظى بمكانة متقدمة على حساب تكوين الأسر الكبيرة، مع تفضيل كثير من الأزواج الاكتفاء بطفل أو طفلين.
كما تسهم محدودية المرونة الوظيفية، خاصة في القطاع الحكومي الذي يستوعب النسبة الأكبر من المواطنين، في تعقيد الموازنة بين العمل والحياة الأسرية.
وتبرز أيضًا تحديات صحية تؤثر على الخصوبة، من بينها ارتفاع معدلات السمنة، وقلة النشاط البدني، وأنماط التغذية غير الصحية، إضافة إلى ضغوط اجتماعية مرتبطة بمعايير جمالية أثّرت على الصحة الإنجابية لدى النساء.
وفي مواجهة هذه المؤشرات، تتجه الأنظار إلى السياسات الحكومية المعلنة ضمن “عام الأسرة 2026”، وما قد يتبعه من إصلاحات تشمل دعم الزواج، وتوسيع الحوافز المالية للأسر، وتعزيز المرونة الوظيفية، وتطوير خدمات الصحة الإنجابية.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الجهود يتطلب أكثر من مبادرات جزئية، بل إعادة صياغة شاملة للعقد الاجتماعي، تضع النمو الديموغرافي للمواطنين في صميم الأمن الوطني والاستدامة طويلة الأمد.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74138