تكشف الدفعة الأخيرة من ملفات جيفري إبستين حجم شبكة النفوذ التي حمت أحد أخطر المتحرشين بالأطفال في العصر الحديث، لكنها تكشف في الوقت ذاته ما هو أخطر: منظومة نخبوية متكاملة تُضحي ببعض الأسماء الثانوية، لا من أجل العدالة، بل لحماية ثقافة راسخة ترى أن القوانين لا تُطبّق على من يجلسون في القمة.
واعاد إصدار وزارة العدل الأمريكية ملايين الوثائق الجديدة إبستين إلى واجهة المشهد، بوصفه حلقة مركزية في شبكة عالمية من المليارديرات، والسياسيين، وملوك المال والإعلام، ممن شكّلوا مظلة حماية متبادلة.
فإبستين لم يكن يعمل في الظل؛ بل في قلب النظام، محاطًا بشخصيات نافذة صنعت صورتها العامة على الأخلاق والديمقراطية بينما شاركت، أو تغاضت، عن جرائم موثقة.
وتُظهر الوثائق أن إبستين أمضى سنوات في مراسلات مكثفة مع شبكة علاقات واسعة، جعلت من “إدارة النفوذ” وظيفة يومية. هذا القرب لم يكن اجتماعيًا فقط؛ بل كان أداة استقطاب وابتزاز محتملة، ضمن نمط عمل يشبه منطق العصابات: التواطؤ شرط الانتماء، والصمت ضمان النجاة.
ولم تكن جرائم إبستين حادثة معزولة، بل جريمة منظمة خدم من خلالها مصالح آخرين. لذلك جرى تنقيح ملايين الصفحات بعناية، ليس لحماية الضحايا كما يُقال، بل لحماية الدوائر المفترسة التي استفادت من خدماته.
ويبرز هنا دور غيسلين ماكسويل، الوسيطة الرئيسية، التي سهّلت الاتجار بالفتيات وربطته مباشرة بعوالم المال والسياسة.
ويزداد المشهد قتامة مع ظهور إشارات متكررة إلى تداخلات استخبارية. فالعلاقة الوثيقة بين إبستين وشخصيات أمنية وسياسية إسرائيلية، وعلى رأسها إيهود باراك، لم تعد مجرد شائعات. وثائق منسوبة إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي تتحدث عن “قرب شديد” وتعاون يتجاوز الصداقة، وصولًا إلى ادعاءات بتدريب إبستين على مهام تجسسية.
وفي مواجهة الغضب الشعبي، تتجه المؤسسة إلى استراتيجية مألوفة: تسليط الضوء على أسماء محدودة، غالبًا خارج مركز القرار الحقيقي، لتفريغ الغضب العام. هكذا تُقدَّم بعض الشخصيات ككبش فداء، بينما تبقى البنية التي سمحت بالجريمة، وحمت مرتكبيها، بمنأى عن المساءلة.
وقد لعبت وسائل الإعلام السائدة، المملوكة في الغالب لنفس الطبقة الثرية، دورًا حاسمًا في هذا التعمية. فبدل تفكيك المنظومة، انشغلت بتفاصيل هامشية أو فرضيات أقل إحراجًا، بينما جرى تجاهل الخيط الذي يربط بين الجرائم الجنسية، والسياسات الخارجية العدوانية، والدعم الغربي غير المشروط لحروب وإبادات جماعية.
وتتقاطع هذه الفضيحة مع واقع سياسي أشمل. فالنخب نفسها التي صمتت، أو شاركت، في استغلال الأطفال، هي ذاتها التي دعمت بلا تردد سياسات التدمير الجماعي، من غزة إلى مناطق أخرى. المنطق واحد: حياة البشر، خصوصًا الضعفاء، قابلة للمقايضة طالما أن المصالح محفوظة.
وتكشف ملفات إبستين، إذًا، ليس فقط عن جريمة أخلاقية، بل عن منطق حكم منحط يرى في القوة والمال غاية بحد ذاتهما. من هذا المنظور، يصبح دفن الحقيقة ضرورة وجودية للنخبة، لا خيارًا.
وما لم تُفتح الملفات كاملة، ويُحاسَب أصحاب النفوذ الحقيقيون، ستبقى فضيحة إبستين درسًا ناقصًا. فالمشكلة ليست في رجل واحد، بل في نظام كامل صاغ قواعده على أساس الإفلات من العقاب. وكل محاولة لحصر الجريمة في أسماء محددة ليست سوى خطوة جديدة في عملية دفن الحقيقة… مرة أخرى.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73942