بدأت السلطات العراقية، الأحد، أعمال استخراج الجثث من مقبرة الخسفة، أكبر مقبرة جماعية معروفة من عهد تنظيم داعش، تقع في منطقة نائية جنوب مدينة الموصل. ويُعتقد أن الموقع يضم آلاف الضحايا الذين أعدمهم التنظيم المتشدد خلال فترة سيطرته على المدينة بين عامي 2014 و2017.
خطوة طال انتظارها
أعلن محافظ نينوى، عبد القادر الدخيل، انطلاق المرحلة الأولى من عمليات الحفر والتنقيب، مشيراً إلى أن الحكومة الإقليمية تخطط لاحقاً لبناء نصب تذكاري يخلّد ذكرى الضحايا. وأشرف على العملية مسؤولون قضائيون بارزون، في خطوة وُصفت بأنها طال انتظارها من أجل إنصاف العائلات المكلومة.
ارتدى فريق من الخبراء الجنائيين ملابس وقاية بيضاء وأقنعة وقفازات، وبدأوا إزالة الأتربة والحطام بعناية، موثقين كل خطوة. بالقرب من الموقع، وُضعت بعض الرفات المستخرجة مؤقتاً تحت أغطية بلاستيكية بانتظار نقلها إلى دائرة الطب الشرعي.
آلاف الجثث في “حفرة الموت”
تشير التقديرات الرسمية إلى أن ما بين 6,000 و12,000 جثة قد دُفنت في الموقع. وقال ضياء السعيدي، مدير إدارة المقابر الجماعية في مؤسسة الشهداء، إن المرحلة الحالية تركز على الحفر السطحي والتنظيف وحفظ الأدلة، بينما ستُحال جميع الرفات إلى الطب الشرعي لإجراء الفحص النهائي وتحديد الهوية عبر تحاليل الحمض النووي.
وروت إحدى النساء، التي يُعتقد أن زوجها من بين ضحايا المقبرة، معاناتها عبر منشور على “فيسبوك”، قائلة: “أتمنى أن أجد جثمان زوجي، ولو مجرد عظام، لأدفنه كما يُدفن الشهداء، فيرتاح قلبي بعد أحد عشر عاماً من الانتظار.”
مقبرة كشفتها منظمات حقوقية
كانت هيومن رايتس ووتش أول من حدد موقع الخسفة عام 2017، حيث وصفت الحفرة الطبيعية بأنها “ساحة قتل” استخدمها مقاتلو داعش للتخلص من آلاف الضحايا. وفي عام 2018، دعم مسح للأمم المتحدة هذه النتائج، وسجّل وجود أكثر من 200 مقبرة جماعية مرتبطة بالتنظيم في أنحاء العراق.
لكن الخسفة بقيت رمزاً مميزاً لبشاعة جرائم التنظيم، نظراً لضخامة عدد الضحايا وظروف دفنهم في حفرة طبيعية عميقة.
ضغوط العائلات وتحديات التمويل
طوال سنوات، طالبت عائلات المفقودين بفتح المقبرة، لكن المخاوف الأمنية ونقص التمويل وصعوبات العمل الفني حالت دون البدء الفعلي في التنقيب. وفي مارس الماضي، أعلنت سلطات نينوى أنها حصلت على الدعم المالي واللوجستي اللازمين لبدء العملية، ووصفت الخسفة بأنها “أولوية وطنية” للسلطات القضائية وفِرق الطب الشرعي.
نهاية ولاية “يونيتاد”
يأتي هذا التطور في وقت يشهد فيه العراق تراجعاً في الدعم الدولي للتحقيق بجرائم داعش. فقد أنهى فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة (يونيتاد) ولايته عام 2024 بعد رفض بغداد تجديدها. ومنذ ذلك الحين، دعت منظمات حقوقية العراق إلى تحمل مسؤولياته في حفظ الأدلة ومواصلة الملاحقات القضائية دون إشراف أممي.
إرث دامٍ من جرائم داعش
سيطر تنظيم داعش على مساحات شاسعة من العراق وسوريا في صيف 2014، وأعلن “الخلافة” من الموصل. خلال تلك السنوات، ارتكب مقاتلوه انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان شملت الإعدامات الجماعية والاغتصاب والاستعباد، خصوصاً ضد الأقلية الإيزيدية في سنجار، حيث لا تزال المقابر الجماعية تُكتشف حتى اليوم.
وبعد معارك دامية، استعادت القوات العراقية بدعم من التحالف الدولي الأراضي التي كان يسيطر عليها التنظيم بحلول 2017. لكن اكتشاف المقابر الجماعية ظل شاهداً على حجم الفظائع المرتكبة.
ويمثل فتح مقبرة الخسفة بداية مسار طويل وصعب نحو العدالة، إذ يتعين على السلطات العراقية مواجهة تحديات تحديد الهويات وتسليم الرفات لعائلات الضحايا. كما يحمل المشروع بُعداً رمزياً في حفظ ذاكرة المأساة الوطنية، وتكريم آلاف الأبرياء الذين قضوا في واحدة من أفظع الجرائم الجماعية بتاريخ العراق الحديث.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72387