مؤشرات امتلاك إيران ترسانة نووية ترتفع رغم الضربة الأميركية

رغم الضربة الاستباقية التي نفذتها الولايات المتحدة ضد منشآت نووية إيرانية الأسبوع الماضي، تزايدت المؤشرات على أن طهران باتت تقترب أكثر من أي وقت مضى من امتلاك ترسانة نووية، بحسب تحليل نشرته نيويورك تايمز، وسط قلق متنامٍ من أن تكون هذه العملية قد أتت بنتائج عكسية، دفعت خصوم واشنطن إلى التفكير مجددًا في استراتيجية الردع النووي.

وبعد قصف ثلاث منشآت مرتبطة ببرنامج إيران النووي، بدا أن إدارة الرئيس دونالد ترامب أرادت بعث رسالة واضحة: باب الانضمام إلى النادي النووي العالمي سيظل مغلقًا بالقوة إذا لزم الأمر.

لكن خبراء الانتشار النووي يحذرون من أن هذه الضربة قد تكون قد عززت لدى إيران ودول أخرى قناعة مفادها أن الردع الحقيقي لا يتحقق إلا بامتلاك القنبلة.

إيران بعد الضربة: نحو العتبة النووية؟

يقول روبرت جيه. أينهورن، خبير الحد من التسلح والمفاوض السابق مع إيران، إن احتمالات امتلاك طهران لسلاح نووي باتت أعلى مما كانت عليه قبل أسبوع. “هناك على الأرجح متشددون في الداخل الإيراني يجادلون اليوم بأن الوقت قد حان لتجاوز العتبة النووية”، على حد تعبيره.

لكن حتى لو قررت إيران تسريع برنامجها النووي، فإنها تواجه عقبات كبيرة، بينها احتمال تعرضها لضربة جديدة من إسرائيل أو الولايات المتحدة بمجرد اقترابها من إنتاج قنبلة. كما لا يزال موقف القيادة الإيرانية غير واضح: هل تخاطر بمواجهة مباشرة وشاملة، أم تواصل التلويح بالقدرة دون اجتياز الخط الأحمر؟

النموذج الكوري… والحماية النووية

يستعيد التحليل تجربة كوريا الشمالية، آخر دولة انضمت إلى النادي النووي، والتي لم تتعرض منذ امتلاكها للسلاح لهجوم خارجي. بل إن الرئيس ترامب نفسه سبق أن التقى زعيمها كيم جونغ أون مرتين، رغم عدائه السابق له.

يقول كريستوفر هيل، المفاوض السابق مع بيونغ يانغ: “كوريا الشمالية لا تندم على امتلاك السلاح النووي. بل ربما تراه خيارها الوحيد للبقاء.” وأضاف أن الغموض في مواقف واشنطن، خصوصًا مع تبني ترامب سياسة “أميركا أولاً”، يثير مخاوف في عواصم الحلفاء التقليديين.

ارتدادات إقليمية ودولية

في كوريا الجنوبية، تزايد الدعم الشعبي لفكرة تطوير برنامج نووي وطني، رغم تطمينات أميركية ووعود بتوسيع إشراك سيول في التخطيط الدفاعي.

وفي اليابان، لا تزال الأغلبية تؤيد مبدأ نزع السلاح، لكن النقاش بات أكثر انفتاحًا على فكرة استضافة أسلحة نووية أميركية، على غرار دول الناتو.

أما في الشرق الأوسط، فإن السعودية تتابع بقلق بالغ تطورات الملف الإيراني. ويقول الخبراء إن حصول إيران على قنبلة نووية سيؤدي تلقائيًا إلى ضغط غير مسبوق على الرياض لتطوير برنامج ردع خاص بها، وهو ما قد يفتح الباب أمام سباق تسلح نووي في منطقة تعد من أكثر المناطق توترًا في العالم.

دروس أوكرانيا وليبيا.. القوة وحدها تحمي؟

يستذكر خبراء الانتشار النووي التجارب الفاشلة لتخلي دول عن برامجها النووية. في ليبيا، تخلى معمر القذافي عن برنامجه عام 2003، ليلقى مصيره في 2011 خلال تدخل غربي عسكري. أما أوكرانيا، فتنازلت عن ترسانتها النووية السوفييتية مقابل ضمانات أمنية لم تصمد أمام الغزو الروسي.

كتب محللان في معهد بروكينغز: “الدرس من أوكرانيا قد يكون: إذا كان لديك سلاح نووي، فاحتفظ به. وإن لم يكن لديك، فاحصل عليه إن لم تكن تحت مظلة قوية.”

هل ردع ترامب سيمنع الانتشار أم يسرّعه؟

رغم أن بعض المسؤولين في إدارة ترامب يرون أن الضربة وجهت رسالة قوة وردع للحلفاء والخصوم، فإن آخرين يرون العكس.

يقول غاري سامور، المستشار السابق في شؤون التسلح: “إيران لم تمتلك قنبلة، لكنها تعرّضت للهجوم. الرسالة الواضحة هنا هي: الردع النووي الحقيقي يبدأ بعد امتلاك السلاح.”

وفي عالم تتزايد فيه النزاعات ويفقد فيه التحالف الغربي بعضًا من مصداقيته، فإن الرهان على أن الضربات الاستباقية ستمنع الانتشار النووي بات موضع شك كبير.

ومع وقف إطلاق نار هش، لا يزال من المبكر الحكم على النتائج طويلة المدى للهجوم الأميركي. هل ستختار إيران السير قدمًا نحو العتبة النووية؟ هل ستلحق بها دول أخرى؟ أم أن المجتمع الدولي سيتمكن من احتواء الموقف عبر اتفاقات دبلوماسية جديدة؟

في عالم تحكمه المصالح القومية والقلق من الخذلان، يبقى امتلاك السلاح النووي هو التذكرة الأضمن للردع والبقاء — وهذه هي المفارقة التي يواجهها العالم اليوم.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.