السعودية تعيد تصميم مشروع نيوم بعد تقليص واسع في الطموحات

تشهد السعودية مرحلة مراجعة شاملة لأحد أكثر مشاريعها طموحًا، مع اتجاه واضح لإعادة تصميم مشروع نيوم وتقليص نطاقه بعد سنوات من التأخير وارتفاع التكاليف. ووفقًا لتقارير مطلعة، فإن الرؤية الجديدة للمشروع باتت أقل اتساعًا مما أُعلن عنه في بداياته، وأكثر ارتباطًا بالأولويات الاقتصادية والواقعية التنفيذية.

نيوم، الذي طُرح في الأصل كمدينة مستقبلية تمتد على مساحة شاسعة وتضم مشاريع غير مسبوقة مثل المدينة الخطية “ذا لاين”، والمنطقة الصناعية العائمة “أوكساچون”، ومنتجع التزلج “تروجينا”، يخضع حاليًا لإعادة هيكلة جوهرية. وتشير المعطيات إلى أن بعض هذه المكونات تم تقليصها بشكل كبير، بينما أعيد توجيه المشروع ليخدم قطاعات محددة ذات مردود اقتصادي مباشر.

أبرز التحولات تتمثل في التركيز المتزايد على القطاعات الصناعية والتكنولوجية، وعلى رأسها مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. ويُنظر إلى موقع نيوم الساحلي باعتباره ميزة استراتيجية تسمح بتطوير بنية تحتية متقدمة لمراكز البيانات تعتمد على التبريد بمياه البحر، في إطار سعي المملكة إلى أن تصبح لاعبًا رئيسيًا في الاقتصاد الرقمي العالمي.

هذا التحول يأتي في سياق أوسع من ضبط الإنفاق وإعادة ترتيب الأولويات، في ظل أسعار نفط أقل من التوقعات السابقة، إلى جانب التزامات كبرى مرتبطة بمواعيد نهائية صارمة، مثل استضافة معرض إكسبو 2030 وكأس العالم 2034. وتدفع هذه العوامل صناع القرار إلى توجيه الموارد نحو مشاريع أكثر قابلية للتنفيذ وأوضح من حيث العائد الاقتصادي.

في المقابل، لطالما واجه مشروع نيوم انتقادات تتعلق بمدى واقعيته، فضلًا عن قضايا حقوقية مرتبطة بعمليات الإخلاء التي طالت بعض المجتمعات المحلية في شمال غرب المملكة. ومع إعادة التقييم الجارية، يرى مراقبون أن تقليص المشروع قد يسهم في تهدئة بعض هذه الانتقادات، وإن لم يُنهها بالكامل.

الجهات المشرفة على نيوم أكدت أن ما يجري ليس تراجعًا عن الفكرة، بل عملية إعادة تموضع تهدف إلى ضمان الاستدامة طويلة الأمد، موضحة أن المشروع بطبيعته يمتد عبر أجيال، ويتطلب مراحل تنفيذ مرنة تتماشى مع تطورات السوق والقدرة التمويلية.

ويُنتظر أن تنتهي مراجعة شاملة للمشروع بحلول الربع الأول من عام 2026، في وقت يخضع فيه أيضًا عدد من المشاريع الكبرى التابعة لصندوق الاستثمارات العامة لعمليات تقييم مماثلة. ويعكس هذا النهج تحولًا أوسع في إدارة المشاريع العملاقة في المملكة، يقوم على الموازنة بين الطموح والرؤية من جهة، والواقعية الاقتصادية والتنفيذية من جهة أخرى.

في المحصلة، يبدو أن نيوم تدخل مرحلة جديدة أقل ضجيجًا، لكنها ربما أكثر قابلية للتحقق، ضمن مسار تسعى فيه السعودية إلى ترسيخ تحولها الاقتصادي بخطوات محسوبة، دون التخلي عن أهدافها الاستراتيجية بعيدة المدى.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.