كان من الممكن أن تُعرّض الضربة الصاروخية الإيرانية التي استهدفت قاعدة جوية أميركية في قطر هذا الأسبوع، الجهود التي بذلتها دول الخليج في السنوات الأخيرة لتخفيف عزلة طهران للخطر.
وتلك الجهود استندت إلى مبرر أن التقارب مع إيران سيجعل المنطقة أكثر أمانًا، إلا أن الهجوم — الذي جاء ردًا على غارات جوية أميركية استهدفت منشآت نووية إيرانية — سبقته تحذيرات من طهران.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست، لم تُلحق التسعة عشر صاروخًا أي ضرر بقطر أو القاعدة الجوية الموجودة فيها، كما أن ردود الفعل الخليجية لم تتجاوز بيانات الإدانة الصريحة لطهران، في إشارة إلى أن دفء العلاقات مع إيران قد يكون مستمرًا رغم التصعيد العسكري الأخير.
وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني للصحفيين يوم الثلاثاء، رغم إدانته للهجوم: “آمل أن تعود العلاقة الجيدة مع إيران إلى طبيعتها في أقرب وقت ممكن، فالشعب الإيراني جار لنا، ونتمنى لهم السلام والنمو والتطور.”
وترى الصحيفة الأميركية أن هذه الحادثة تعكس بشكل واضح التغير الذي طرأ على نظرة دول الخليج إلى المخاطر الإقليمية منذ ولاية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الأولى، حين دفعتهم المخاوف من إيران إلى التفكير في تطبيع العلاقات مع إسرائيل أو المضي قدمًا فيه.
لكن اليوم، وبعد التطورات الأخيرة، أصبحت بعض الممالك الخليجية أكثر تحفظًا في مقاربة علاقاتها مع إسرائيل، التي باتت تُنظر إليها في الخليج كقوة عدائية وغير متوقعة بسبب عملياتها العسكرية المتصاعدة في غزة ولبنان وسوريا واليمن وحتى إيران منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023، وفق ما نقلت الصحيفة عن محللين.
وقال آل ثاني إن “المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار في المنطقة هو الصراع الدائر في غزة”، في إشارة إلى أن السياسات الإسرائيلية أصبحت مصدر قلق متزايد لدول الخليج.
وفي السياق ذاته، أشار اتش إيه هيلير، الزميل البارز في معهد الخدمات الملكية المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية في لندن، إلى أن “دول الخليج لطالما نظرت إلى إيران باعتبارها أكبر قوة مهددة للاستقرار في المنطقة، وكان لا بد من مواجهتها”.
لكنه أضاف أن الحسابات تغيرت اليوم، وأن “الفاعل الأكثر زعزعة للاستقرار الآن هو إسرائيل”، بسبب عملياتها العسكرية الإقليمية، مضيفًا أن المخاوف الخليجية تعززت بسبب “مدى ضعف مقاومة الولايات المتحدة وأوروبا لإسرائيل، بل وحتى القيام بتمكينها”، وهو ما أثار قلقًا بالغًا في دول الخليج.
وفي هذا الإطار، قال محمد بهارون، المدير العام لمركز “بحوث” في دبي، إنه كان ينظر سابقًا إلى اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، مثل تلك التي وقعتها الإمارات في عهد ترامب، باعتبارها فرصة إيجابية لأسباب عدة، بينها احتمال أن تلعب الإمارات دورًا في تحقيق قيام دولة فلسطينية.
لكنه أضاف أن أحداث العامين الماضيين، وصولًا إلى الهجمات الأخيرة على إيران، “أشارت لي على الأقل إلى أن إسرائيل لا تبحث عن السلام، بل عن الأمن — بل وعن تصورها الخاص للأمن.” وأشار إلى أن الحملة العسكرية الإسرائيلية المتواصلة في غزة ولبنان وسوريا واليمن وإيران غير مسبوقة.
وترى الصحيفة أن الحرب في غزة، ورفض الحكومة الإسرائيلية قيام دولة فلسطينية، أعاقا جهود واشنطن لدفع التطبيع بين السعودية وإسرائيل. إذ كررت الرياض مرارًا أنها لن تُطبع علاقاتها مع إسرائيل ما لم يتحقق تقدم حقيقي نحو حل الدولتين.
لكن في المقابل، وبعد التهدئة النسبية مع إيران، أشارت تصريحات لمسؤولين أميركيين وإسرائيليين إلى إمكانية تحقيق اختراقات دبلوماسية جديدة.
فقد صرح ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب للشرق الأوسط، بأن مزيدًا من اتفاقيات التطبيع قد يُعلن عنها قريبًا، بينما نشر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على منصة “إكس” أنه يعمل مع ترامب بسرعة “لتوسيع دائرة السلام.”
إلا أن واشنطن بوست ترى أن هذه التصريحات المتفائلة اصطدمت في الخليج بموجة من القلق، بل عطلت المحادثات النووية التي كانت مقررة في سلطنة عمان بين إيران والولايات المتحدة، والتي كان كثيرون ينظرون إليها كنقطة تحول مهمة.
وقال بهارون للصحيفة: “كان الأمل يحدو دول الخليج، التي تخشى أيضًا حصول إيران على سلاح نووي، بنجاح تلك المحادثات. لكن يبدو أن الهجوم الإسرائيلي ضد إيران لم يكن فقط لإفشال تلك المحادثات، بل كان محاولة أيضًا لعرقلة تطور علاقات طهران مع الخليج.”
وأضاف هيلير: “انخرطت الولايات المتحدة في عملية تفاوض، ثم بدأت إسرائيل القصف في منتصف تلك العملية، وهذا يبعث برسالة معينة إلى الخليج.”
من جهة أخرى، أشارت الصحيفة إلى أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حاول التخفيف من حدة التوتر مع قطر، إذ أكد أن الضربة الصاروخية الإيرانية “لا ينبغي تفسيرها على أنها مواجهة بين جمهورية إيران الإسلامية وجارتها الصديقة والشقيقة قطر”، وذلك خلال مكالمة هاتفية مع أمير قطر.
وتقول آنا جاكوبس، الزميلة غير المقيمة في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، إن إدانات دول الخليج للهجوم “مهمة للغاية”، لكنها توقعت أن تشهد المرحلة المقبلة “فترة تهدئة”، معتبرة أن دول الخليج “ملتزمة جدًا بالحفاظ على علاقاتها مع إيران لاحتواء التوترات الإقليمية.”
واختتمت جاكوبس حديثها للصحيفة قائلة: “أعتقد أنهم يؤمنون حقًا بأن الاستراتيجية الصحيحة هي الحفاظ على العلاقات، والحفاظ على الحوار — خصوصًا عندما تكون المنطقة في وضع هش للغاية.”
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71793