الخليج قلق من اليوم التالي للحرب على إيران وانهيار التوازن الإقليمي

تعيش دول الخليج حالة ترقب حذر مع استمرار الحرب على إيران، وسط مخاوف متزايدة من أن ما سيأتي بعد انتهاء الصراع قد يكون أكثر خطورة من الحرب نفسها.

وتخشى العواصم الخليجية من أن يؤدي انهيار التوازن الإقليمي إلى موجة جديدة من الفوضى وعدم الاستقرار، خصوصاً إذا انتهت الحرب بإضعاف إيران بشكل كبير أو انهيار نظامها السياسي.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي، رغم تعرضها المباشر لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة خلال الحرب، اختارت البقاء في موقع الدفاع وتجنب الانخراط المباشر في الصراع. ويعود ذلك إلى إدراكها أن خيارات ما بعد الحرب محدودة وخطرة في الوقت نفسه.

وخلال الأسابيع التي سبقت اندلاع الحرب، كان كثير من المحللين يتوقعون ضربة أمريكية إسرائيلية ضد إيران، بينما كانت طهران تهدد برد واسع يشعل المنطقة. ومع بدء الحرب بالفعل، وسعت إيران نطاق الرد ليشمل استهداف بنى تحتية ومواقع مختلفة في دول الخليج.

ورغم هذا التصعيد، فضلت دول الخليج التركيز على الدفاع واحتواء الأضرار بدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة. ويعكس هذا الموقف حسابات استراتيجية ترى أن الانخراط في الحرب قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً في المستقبل.

وترى دول الخليج أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في الحرب الحالية، بل في شكل المنطقة بعد انتهائها. فهناك اختلاف واضح بينها وبين الاحتلال الإسرائيلي حول طبيعة إيران في مرحلة ما بعد الحرب.

فبينما تفضل دول الخليج إنهاء الحرب بسرعة وبأقل قدر ممكن من الفوضى، يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي يميل إلى إطالة أمد الصراع حتى لو أدى ذلك إلى اضطرابات إقليمية واسعة.

وتخشى دول الخليج من سيناريوهين رئيسيين. الأول يتمثل في استمرار الحرب بشكل متقطع لفترة طويلة، بحيث يتحول الصراع إلى مواجهات متكررة بين إيران والولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، مع بقاء دول الخليج في قلب دائرة الاستهداف.

وفي هذا السيناريو قد تتواصل الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة ضد دول الخليج حتى في حال إعلان وقف إطلاق نار شكلي. كما قد تستخدم إيران الضغط العسكري على هذه الدول لدفع الولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب.

ويمثل هذا السيناريو كابوساً لدول الخليج التي تعتمد بشكل كبير على الاستقرار لجذب الاستثمارات والسياحة وتنفيذ خطط تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.

فحتى هجوم محدود بطائرة مسيرة أو صاروخ واحد قد يؤدي إلى هروب المستثمرين والسياح ويقوض صورة المنطقة كمركز اقتصادي آمن.

كما أن استمرار التوتر سيؤدي إلى تعطيل إنتاج الطاقة ورفع أسعار النفط بشكل يضر بالاقتصاد العالمي ويزيد الضغوط على دول الخليج نفسها.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في انهيار النظام الإيراني بالكامل نتيجة الحرب، وهو احتمال يحمل مخاطر أكبر من وجهة نظر العواصم الخليجية.

فالتجارب السابقة في العراق وليبيا وأفغانستان أظهرت أن انهيار الأنظمة السياسية نتيجة التدخل الخارجي غالباً ما يؤدي إلى سنوات طويلة من الفوضى والحروب الأهلية.

وفي حال حدوث ذلك في إيران، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام دولة كبيرة تعاني من صراعات داخلية وانقسامات سياسية وأمنية، وهو ما قد يخلق موجة جديدة من عدم الاستقرار تمتد إلى دول الجوار.

كما تخشى دول الخليج من أن يؤدي إضعاف إيران أو انهيارها إلى إزالة آخر قوة إقليمية قادرة على موازنة النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.

وفي هذه الحالة قد تجد دول الخليج نفسها أمام واقع إقليمي جديد يتسم بتوسع نفوذ الاحتلال الإسرائيلي بشكل أكبر، وهو ما يثير قلقاً لدى بعض العواصم الخليجية.

وتخشى هذه الدول أيضاً من أن تجد نفسها محاطة بدول غير مستقرة على حدودها الإقليمية، مثل اليمن والعراق وربما إيران إذا انهارت مؤسساتها السياسية.

وقد شهدت المنطقة بالفعل نماذج مشابهة خلال العقدين الماضيين، حيث أدى انهيار بعض الدول إلى انتشار الصراعات المسلحة والميليشيات وتزايد التدخلات الخارجية.

كما كشفت الحرب الحالية حقيقة حساسة بالنسبة لدول الخليج، وهي أن المصالح الإسرائيلية غالباً ما تحظى بأولوية في السياسة الأمريكية عندما تتعارض مع مصالح حلفاء واشنطن الآخرين في المنطقة.

ولهذا السبب لم تظهر دول الخليج حماسة للانضمام إلى الحرب، مفضلة التركيز على الدفاع عن أراضيها وحماية منشآتها الحيوية.

وتستند هذه الحسابات أيضاً إلى دروس تاريخية. فخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي حاولت دول الخليج موازنة نفوذ كل من العراق وإيران لمنع أي منهما من الهيمنة على المنطقة.

كما عارض بعض قادة الخليج الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 خوفاً من أن يؤدي تغيير النظام إلى حالة فوضى إقليمية تسمح لإيران بتوسيع نفوذها، وهو ما حدث بالفعل لاحقاً.

واليوم يتكرر القلق نفسه ولكن في اتجاه معاكس. فإسقاط النظام الإيراني قد لا يؤدي إلى استقرار المنطقة، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع وعدم التوازن في الشرق الأوسط.

ولهذا السبب تنظر دول الخليج إلى اليوم التالي للحرب على إيران باعتباره لحظة شديدة الحساسية قد تحدد شكل المنطقة لعقود مقبلة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.