توحّد المعارضة السعودية في الخارج: الإعلان عن انطلاق “المجلس الوطني للإنقاذ” في مواجهة استبداد بن سلمان
أعلنت مجموعة من الشخصيات السعودية المعارضة تأسيس “المجلس الوطني للإنقاذ”، كيان سياسي جديد يهدف إلى توحيد صفوف المعارضين السعوديين في الخارج، ومواجهة ما وصفوه بـ”الاستبداد المطلق” الذي يقوده ولي العهد محمد بن سلمان داخل المملكة.
جاء الإعلان من خلال بيان تأسيسي مفصل، حذّر من الانهيارات السياسية والاجتماعية والأخلاقية التي تشهدها البلاد، محملاً النظام الحاكم مسؤولية “الفساد المالي والإداري”، و”الانحطاط الأخلاقي”، و”خيانة قضايا الأمة الكبرى”.
استجابة لحالة احتقان وطني
أوضح مؤسسو المجلس أن هذه الخطوة جاءت “استجابة للواقع الأليم الذي تعيشه بلادنا”، في إشارة إلى سياسات القمع وتكميم الأفواه، والنهج الأمني الذي بات يسيطر على مفاصل الدولة. ويُعدّ هذا الإعلان أوضح مؤشر حتى الآن على اتجاه جديد داخل أوساط المعارضة السعودية نحو توحيد الجهود ومأسسة التحرك السياسي خارج البلاد.
ويضم المجلس شخصيات معروفة في أوساط المعارضة السعودية مثل الدكتور سعد الفقيه، والدكتور سعيد بن ناصر الغامدي، والأستاذ عبدالله الغامدي، وآخرين من الأكاديميين والدعاة والنشطاء السياسيين الذين يتمركزون خارج المملكة منذ سنوات، بعد تعرضهم للملاحقة أو التهديد بسبب مواقفهم.
رؤية: الاستبداد أصل الأزمة
يرى المجلس في رؤيته التأسيسية أن “المشكلة الأساسية في بلادنا هي الوضع السياسي القائم على الاستبداد المطلق وغياب الحرية والشفافية”. ويؤكد المؤسسون أنه لا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي أن يتحقق ما لم يتم “التحول السياسي الشامل” الذي يعيد للشعب حقه في المشاركة ويؤسس لعدالة واستقلالية حقيقية في مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القضاء.
كما اعتبر البيان أن “السلطة الحالية تتلاعب بالدين وتوظف المؤسسات الدينية والمدنية لتكريس حكم الفرد الواحد”، مشيراً إلى أن السعودية تزخر بالمقدرات البشرية والمادية التي يمكن أن تؤسس لدولة مزدهرة، لولا ما وصفه بـ”بعثرة تلك المقدرات في مشاريع استعراضية وحروب عبثية وقمع داخلي”.
أهداف المجلس: العدالة، الشورى، التنمية
حدد المجلس أربعة أهداف رئيسية في بيانه:
إقامة العدل والشورى وإزالة الظلم والاستبداد والفساد.
حماية مقدرات البلاد وتوجيهها نحو تنمية مستدامة تحقق الخير للجميع.
معالجة التبعات الكارثية للفساد، خاصة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
استعادة الهوية الإسلامية والعربية للبلاد، التي تعرّضت – وفق البيان – لتشويه متعمد.
ويؤكد مؤسسو المجلس أنهم يعملون من منطلق استقلالي تمامًا، دون ارتباط حركي أو تنظيمي بأي دولة أو جهة حزبية أو أجنبية. بل يشيرون إلى أن نشاطهم “منضبط بالقيم الإسلامية والمجتمعية” وأنه يركز على “ما له علاقة بالمملكة العربية السعودية فقط”.
سياق إقليمي ومحلي حرج
يأتي هذا التحرك في وقت تعاني فيه السعودية من تحديات متراكمة داخليًا، أبرزها تصاعد القمع السياسي، وتفاقم الديون، وتباطؤ الإصلاحات الاقتصادية الحقيقية، رغم الحملات الدعائية الضخمة التي ترافق “رؤية 2030”.
كما تشهد الساحة السياسية الدولية تنامي الانتقادات الموجهة إلى سجل المملكة في مجال حقوق الإنسان، واعتقالها للناشطين والمفكرين، خاصة بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي في 2018، وتداعيات ذلك على صورة النظام في الغرب.
وفي السياق ذاته، يرى مراقبون أن تأسيس “المجلس الوطني للإنقاذ” يعكس شعورًا متزايدًا داخل أوساط النخبة المعارضة بأن التغيير من الداخل بات مستحيلًا، مع غياب أي فسحة حقيقية للعمل السياسي أو النقابي أو المدني، وسط تجريم واسع لأي انتقاد للحكومة.
تحديات وعقبات
ورغم أهمية هذه الخطوة من حيث توحيد المعارضة السعودية في الخارج، إلا أنها لا تخلو من التحديات، أبرزها:
التنسيق بين توجهات مختلفة داخل المعارضة، بعضها إسلامي الطابع، وبعضها ليبرالي أو قومي.
غياب الحضور الفعلي داخل البلاد، نظرًا للقبضة الأمنية الشديدة.
المخاطر القانونية والأمنية التي تلاحق المعارضين حتى في الخارج، كما أظهرت تقارير عن محاولات استهدافهم خارج السعودية.
ومع ذلك، فإن إعلان المجلس يعكس إدراكًا متناميًا لدى النخبة السعودية المعارضة أن اللحظة تتطلب تحركًا جماعيًا يتجاوز الفردية والمبادرات الشخصية التي طبعت المعارضة لعقود.
هل يشكل المجلس تحديًا حقيقياً؟
من المبكر تقييم مدى قدرة “المجلس الوطني للإنقاذ” على التأثير الملموس في الداخل، لكن مجرد تشكيله بصيغة مؤسساتية، وبأهداف سياسية واضحة، يمثل خطوة نوعية في تاريخ المعارضة السعودية. فبخلاف البيانات الفردية والمواقف المتفرقة، يسعى هذا الكيان إلى تشكيل “واجهة سياسية” منظمة قد تخاطب الخارج، وتُعِدّ لرؤية بديلة لمستقبل البلاد.
وبينما تمضي السلطات في تشديد قبضتها، فإن تأسيس هذا المجلس يفتح – على الأقل رمزيًا – نافذة أمل على بديل سياسي سعودي يحاكي تطلعات قطاع واسع من السعوديين الحالمين بالإصلاح والحرية.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72002