في خطوة غير مسبوقة، نفّذت القوات الجوية الأميركية أول عملية نقل جوي لمفاعل نووي مصغّر، في إطار تسريع إدارة الرئيس دونالد ترامب خطط نشر الطاقة النووية المتقدمة داخل الولايات المتحدة. العملية، التي وُصفت بأنها “اختبار مفصلي” لسلسلة الإمداد النووي الجديدة، تعكس تحوّلاً عملياً من المختبرات إلى النشر الميداني.
وشاركت ثلاث طائرات نقل عسكرية من طراز C‑17 Globemaster III في نقل مكوّنات مفاعل Valar Atomics من طراز Ward 250 — غير المزوّد بالوقود — من قاعدة مارتش الجوية في كاليفورنيا إلى قاعدة هيل الجوية في ولاية يوتا.
ويُعدّ النقل الجوي لمفاعل نووي، ولو كان غير مُحمّل بالوقود، سابقة تقنية وتنظيمية في آن.
وخلال الرحلة التي استغرقت قرابة ساعة، جلس مسؤولون من البنتاغون ووزارة الطاقة وصحفيون وممثلون عن الصناعة على مقاعد مجاورة لوحدة المفاعل، التي وُضعت داخل حاوية محاطة بزجاج شفاف.
وفي لفتة رمزية عكست البعد السياسي للمشروع، وزّع مسؤولو الشركة قبعات سوداء كُتب عليها: “اجعلوا الطاقة النووية عظيمة مجدداً”.
ويقول مؤيدو هذه التكنولوجيا إن المفاعلات المصغّرة المتقدمة قادرة على توفير عدة ميغاواطات من الطاقة بشكل آمن وبكلفة أقل مقارنة بالمحطات التقليدية، مع تقليص الاعتماد على سلاسل وقود معقّدة ومعرّضة للانقطاع.
كما يرون أنها توفّر طاقة موثوقة وقابلة للتوسّع للمواقع النائية، من القواعد العسكرية إلى المناطق الصناعية البعيدة عن الشبكات الرئيسية.
في المقابل، يحذّر منتقدون من أن تسريع اعتماد تصاميم غير مُختبرة بالكامل — تطوّرها شركات خاصة ناشئة — قد يفتح الباب أمام مخاطر تتعلق بالسلامة والحوكمة النووية.
ويشير هؤلاء إلى أن الانتقال السريع من النماذج التجريبية إلى النشر التشغيلي، مع اختصار مسارات الاعتماد التقليدية، قد يفرض تحديات تنظيمية ويختبر قدرة الجهات الرقابية على المواكبة.
وتأتي هذه الخطوة ضمن تعهّد ترامب بتشغيل ثلاثة مفاعلات نووية متقدمة على الأقل “بشكل حرج” — أي تشغيل جميع أنظمتها النووية — على الأراضي الأميركية بحلول الرابع من يوليو المقبل، في توقيت رمزي يتزامن مع عيد الاستقلال.
ويُنظر إلى التعهّد على أنه محاولة لإعادة تموضع الطاقة النووية كركيزة للأمن القومي والطاقة منخفضة الكربون، في مواجهة تقلبات أسواق الوقود الأحفوري وتحديات الشبكات.
ويؤكد مسؤولون مطّلعون أن اختيار النقل الجوي لم يكن رمزياً فحسب، بل اختباراً عملياً لقدرة هذه الأنظمة على الانتشار السريع.
فالمفاعلات المصغّرة تُسوّق باعتبارها وحدات “قابلة للنقل”، ما يتيح نشرها حيثما دعت الحاجة — من دعم العمليات العسكرية إلى تغذية مراكز بيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
لكن هذا “القابلية للنقل” نفسها تثير أسئلة حساسة: كيف ستُؤمّن عمليات الشحن والتخزين؟ وما المعايير التي ستُطبّق لضمان السلامة أثناء النقل، حتى في حالة عدم وجود وقود نووي؟ وكيف ستتوزع المسؤوليات بين الجيش والقطاع الخاص والجهات الرقابية المدنية؟
وبحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، فإن الإدارة ترى في الشراكة مع شركات خاصة مثل Valar Atomics وسيلة لتسريع الابتكار، وتقليل التكاليف، وكسر الجمود الذي طبع مشاريع الطاقة النووية الكبيرة لعقود.
إلا أن التقرير ذاته يلفت إلى أن الرهان على السرعة قد يصطدم بواقع الاختبارات طويلة الأمد المطلوبة لإثبات السلامة والمتانة التشغيلية.
وفي الأوساط الصناعية، يُنظر إلى الرحلة الجوية كإشارة قوية إلى أن واشنطن مستعدة للانتقال من الخطاب إلى التنفيذ. أما لدى الخبراء المستقلين، فهي لحظة اختبار مزدوجة: للتكنولوجيا نفسها، وللقدرة المؤسسية على إدارة طاقة نووية “أصغر حجماً” لكنها واسعة الانتشار.
وبينما تمضي الإدارة قدماً في خطتها، يبقى السؤال الأوسع: هل يشكّل هذا التحرك بداية عصر جديد للطاقة النووية الأميركية، أم اندفاعة سياسية قد تسبق نضج التكنولوجيا؟ ما هو مؤكد، وفق المراقبين، أن نقل مفاعل نووي عبر الجو لم يعد سيناريو نظرياً — بل واقعاً دخل سجل السوابق.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74052