وسط تصاعد التوترات الطائفية في الجنوب السوري، أعلنت الحكومة السورية نيتها إعادة نشر قواتها في محافظة السويداء بعد أيام من أعمال العنف الدامية بين عشائر بدوية وميليشيات درزية، ما أثار قلقاً داخلياً ودولياً بشأن استقرار البلاد ومستقبل الرئاسة الناشئة لأحمد الشرع.
تعود جذور الأزمة إلى حادثة سطو مسلح على طريق سريع بين دمشق والسويداء، تحوّلت بسرعة إلى سلسلة من الاشتباكات الدموية بين أطراف محلية، لتتدخل قوات حكومية لأول مرة في السويداء منذ سقوط نظام بشار الأسد، وتواجه مقاومة شرسة من الميليشيات الدرزية بدل فرض النظام.
وفق منظمات حقوقية، سقط مئات القتلى من المدنيين والمسلحين خلال أيام قليلة من القتال، وسط اتهامات بارتكاب فظائع مثل الإعدامات الميدانية وحرق ونهب المنازل.
وقالت “فايننشال تايمز” البريطانية إن الأزمة كشفت عن الهشاشة العميقة لسوريا ما بعد الأسد، حيث يقف الشرع، الذي أتى إلى السلطة بعد حرب أهلية دامت 14 عاماً، أمام أخطر تحدٍ لشرعيته منذ توليه الرئاسة.
من جهته، قال المحلل السوري مالك العبدة إن ما يحدث قد يكون “الخطأ الأكبر في مسيرة الشرع”، الذي حقق حتى الآن إنجازات في السياسة الخارجية مثل رفع العقوبات وتحسين العلاقات مع الغرب.
في سياق موازٍ، وافقت إسرائيل على دخول القوات السورية إلى السويداء لـ48 ساعة فقط، متذرعة بـ”حالة عدم الاستقرار”، بينما استمرت طائراتها بشن ضربات على مواقع حكومية، بما في ذلك وزارة الدفاع في دمشق، بحجة “حماية الدروز”.
يُذكر أن الطائفة الدرزية في السويداء حافظت لعقود على قدر من الاستقلال الذاتي وعلاقات حذرة مع الأنظمة المركزية، ورفضت المشاركة الكاملة في المؤسسات الجديدة التي أقامها الشرع. وبعد اشتباكات أبريل الماضي، وقّعت بعض الفصائل اتفاقًا هشًا لتسليم جزئي للسلاح، لكن الحكومة طالبت بالمزيد، وواجهت رفضًا واسعًا بعد استخدام خطابات طائفية مهينة.
الاشتباكات الأخيرة عمّقت الشروخ، وأدت إلى تقارب متزايد بين بعض القيادات الدرزية وإسرائيل، في ظل غياب ثقة متبادل مع دمشق. وبرز الزعيم الدرزي حكمت الهجري كأحد المطالبين بـ”تقاسم السلطة”، وهو توجه كان هامشيًا سابقًا لكنه يكسب أرضية في ظل تفاقم الأزمة.
في الأثناء، يواجه الشرع اتهامات بانتهاكات مروعة من قواته في السويداء، تشمل إذلال المدنيين، إعدام الأسرى ميدانيًا، وحرق منازل، وهو ما أقر به الشرع جزئياً، متعهداً بمحاسبة المتورطين.
لكن الحادثة قد تُضعف صورة الشرع العسكرية أمام الأقليات، وتعيق جهوده لدمج مناطق أخرى مثل شمال شرق سوريا ذات الغالبية الكردية، كما أشار مستشار مؤسسة “إيتانا”، عصام الريس، قائلاً إن ما يحدث يختلف عن الاشتباكات السابقة التي كانت دفاعية.
مع تفاقم الكراهية الطائفية، برزت دعوات من بعض السنّة السوريين لمقاطعة اقتصادية لمحافظة السويداء، مما يُنذر بانزلاق البلاد نحو مزيد من التفتت. ويخشى مراقبون أن يقوض هذا الحدث فرص الاستقرار والاستثمار الدولي، في وقت كانت البلاد تقترب من “التقاط أنفاسها”، وفق تعبير مسؤول سوري.
في المحصلة، يبدو أن أحمد الشرع أمام منعطف مفصلي، فإما أن يتمكن من احتواء الأزمة الطائفية وترسيخ سلطة الدولة، أو يجد نفسه في مواجهة انفجار داخلي وإقليمي قد يطيح بمشروعه السياسي بالكامل.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72015