حققت قطر اختراقًا دبلوماسيًا جديدًا حين ساهمت في التوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران مساء الاثنين الماضي، في خطوة تعزز دورها كوسيط رئيسي في أزمات الشرق الأوسط، وتضيف فصلًا جديدًا إلى استراتيجيتها في بناء هوية وطنية تعتمد على النفوذ السياسي والدبلوماسي عالميًا.
ورغم توتر الأجواء واستمرار البرلمان الإيراني في تعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وصمود الهدنة حتى الآن، يُنظر إلى هذا النجاح القطري على أنه نتيجة سنوات من العمل الدبلوماسي الهادئ، والشبكات التي بنتها الدوحة مع مختلف الأطراف، بمن فيهم الخصوم الألداء.
فخلال السنوات الأخيرة، تحوّلت قطر من دولة صغيرة ذات نفوذ محدود إلى لاعب إقليمي محوري. ففي صيف 2022، استضافت مفاوضات نووية غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، رغم أنها لم تسفر عن نتائج فورية. لكنها واصلت محاولاتها لاحقًا، وساهمت في أغسطس 2023 في صفقة تبادل أسرى بين واشنطن وطهران أدت إلى إطلاق سراح خمسة أمريكيين ونحو ستة مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة.
وبعد عودة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع العام الجاري، شارك المسؤولون القطريون نظراءهم العُمانيين في جهود لتسهيل محادثات نووية جديدة بين واشنطن وطهران. وكان رئيس الوزراء القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، قد حذر في مايو الماضي من مخاطر “سباق نووي أو موجة تصعيد قرب بلداننا”، مقترحًا صيغة ثلاثية تضم قطر وعُمان والولايات المتحدة للتعامل مع الملف النووي الإيراني.
ومع بدء إسرائيل عمليتها العسكرية “الأسد الصاعد” ضد أهداف إيرانية في 13 يونيو، دخلت قطر على خط التهدئة سريعًا، وعقدت اجتماعات سرية مع شركات الطاقة لدراسة تداعيات الحرب على أسواق النفط والغاز، قبل أن تتحرك بهدوء لتخفيف التوتر عقب الهجوم الصاروخي الإيراني على قاعدة العديد الجوية الأمريكية في قطر، ما أسهم في كبح دوامة تصعيد خطيرة.
ويرى صامويل راماني، في مقال رأي نشرته مجلة سبكتاتور البريطانية، أن نجاح قطر الأخير في إرساء الهدنة يُعد تتويجًا لما وصفه بـ “قصة عودة مذهلة” لقطر، بعدما تحوّلت من هدف للإدانة والاتهامات إلى موضع إشادة حتى من أكثر المنتقدين السابقين لها في الإدارة الأمريكية.
ويشير راماني إلى أن هناك توقعات كانت ترجح تراجع العلاقات القطرية-الأمريكية مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بسبب ضغوط لوبيات أمريكية تتهم قطر بدعم حماس وبالوساطة بين حماس وإسرائيل بنية “سيئة”، بالإضافة إلى ذكريات الأزمة الخليجية عام 2017، حين أيد ترامب في بدايتها الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات على الدوحة، قبل أن يعدل موقفه لاحقًا.
لكن تدريجيًا، تبدّل موقف ترامب تجاه قطر، إذ أعجب بدورها في الوساطة لإنهاء الحرب الأمريكية في أفغانستان، وكذلك باستثماراتها الضخمة في الاقتصاد الأمريكي. وفي سبتمبر 2024، التقى ترامب أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في قصر مار-آ-لاغو بولاية فلوريدا، وأشاد بالتزام الدوحة بتحقيق السلام في الشرق الأوسط، متعهدًا بجعل العلاقات “أقوى من أي وقت مضى”.
وحتى مع وجود معارضة من شخصيات بارزة في الحزب الجمهوري، مثل السيناتور تيد كروز الذي أثار مخاوف من “التجسس” في حال نقل طائرة قطرية للاستخدام كرئاسة أمريكية، والسيناتور توم كوتون الذي انتقد استضافة قطر لحماس، فإن الزخم الدبلوماسي القطري يبدو أنه يفرض نفسه على السياسة الأمريكية.
دبلوماسية قطر لا تقتصر على الشرق الأوسط. إذ أشار راماني إلى أن الدوحة تلعب أدوار وساطة في ملفات دولية أخرى، منها إعادة الأطفال الأوكرانيين المختطفين إلى عائلاتهم رغم الجمود في العلاقات الأمريكية-الروسية، وكذلك جهود الوساطة بين حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين المدعومين من رواندا، عبر مفاوضات بدأت منذ أشهر.
ويقول راماني إن هذا النشاط الدبلوماسي الكثيف ليس مجرد سياسة خارجية، بل جزء من بناء الهوية الوطنية لدولة قطر التي لا يتجاوز عدد مواطنيها 330 ألف نسمة. فالوساطة مذكورة في المادة 7 من الدستور القطري، وأصبحت عنصرًا أساسيًا في خطابها السياسي وأداة لصنع مكانتها في النظام الدولي.
ويرى محللون أن نجاح قطر في تحويل لحظة مواجهة خطيرة بين إيران وإسرائيل إلى فرصة للسلام في الشرق الأوسط يعزز من مكانتها كشريك أساسي للولايات المتحدة والمملكة المتحدة في المنطقة، ويمنحها أوراق قوة جديدة في ملفات إقليمية ودولية أكثر تعقيدًا في المستقبل القريب.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71779