دخلت الاحتجاجات في إيران يومها العاشر وسط تصعيد أمني واضح، بعد أن أعلنت جهات حقوقية ارتفاع عدد القتلى إلى 36 شخصاً على الأقل، في وقت تعهد فيه قائد الجيش الإيراني بالرد “بكامل القوة” على أي أعمال عدوانية خارجية، بينما أقرت السلطات بوجود أزمة اقتصادية خانقة واتهمت في الوقت ذاته قوى أجنبية بالوقوف وراء تأجيج المظاهرات.
وأفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها وتعتمد على شبكة من النشطاء داخل إيران، بأن عدد القتلى ارتفع خلال الأيام العشرة الماضية إلى 36 شخصاً، من بينهم أربعة قاصرين دون سن الثامنة عشرة، إضافة إلى اثنين من أفراد قوات الأمن. كما وثّقت الوكالة آلاف الإصابات و2076 حالة اعتقال على الأقل.
وشهدت العاصمة طهران، مواجهات عنيفة بين قوات الشرطة ومتظاهرين، تزامناً مع استمرار الإضرابات في “البازار الكبير”، القلب التجاري للمدينة.
وأظهرت مقاطع مصورة نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد فوضوية لإغلاق المتاجر وتنظيم اعتصامات، فيما أطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق التجمعات.
وامتدت الاحتجاجات إلى مئات المدن في مختلف أنحاء البلاد، حيث قال نشطاء إن قوات الأمن استخدمت الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع في بعض المناطق، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.
وتُعد هذه الاحتجاجات الأوسع منذ موجة الاضطرابات التي اجتاحت إيران عام 2022 عقب وفاة مهسا جينا أميني أثناء احتجازها لدى الشرطة.
وأثارت مشاهد اقتحام قوات الأمن مستشفى سينا في منطقة حسن آباد بطهران موجة غضب واسعة، بعدما أظهرت مقاطع فيديو إطلاق الغاز المسيل للدموع داخل المجمع الطبي، حيث كان المتظاهرون المصابون يتلقون العلاج.
وتُعد هذه الحادثة الثانية من نوعها خلال أيام، بعد اقتحام مستشفى الإمام الخميني في مدينة إيلام غرب البلاد يوم الأحد، وهو ما دفع الرئيس مسعود بيزشكيان إلى إصدار أوامر بفتح تحقيق رسمي.
وقالت وزارة الصحة الإيرانية في بيان إن ما جرى في مستشفى سينا “قيد المراجعة” وسيتم التعامل معه “في إطار القانون”، من دون تقديم تفاصيل إضافية.
وبدأت موجة الاحتجاجات الحالية الأسبوع الماضي عقب تسجيل الريال الإيراني أدنى مستوى له على الإطلاق أمام الدولار الأميركي، ما فاقم الغضب الشعبي في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتدهور القدرة الشرائية.
واعتمدت السلطات نهجاً مزدوجاً في التعامل مع الأزمة، إذ اعترفت علناً بصعوبة الأوضاع الاقتصادية وأبدت استعدادها للحوار، لكنها في المقابل لجأت إلى القبضة الأمنية في مواجهة الاحتجاجات الأوسع واتهمت “شبكات مرتبطة بقوى أجنبية” بمحاولة استغلال الغضب الشعبي.
وفي تصعيد لافت، حذر قائد الجيش الإيراني اللواء أمير حاتمي، الأربعاء، من أن بلاده سترد “بكامل قوتها” على أي اعتداء خارجي، وذلك بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب قال فيها إن إيران “ستتعرض لضربة قوية جداً” إذا سقط المزيد من المتظاهرين قتلى.
وقال حاتمي، بحسب ما نقلته وكالة أنباء فارس: “أستطيع أن أقول بثقة إن جاهزية القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم أكبر بكثير مما كانت عليه قبل حرب الأيام الاثني عشر”.
وأضاف أن إيران “ستقطع يد” أي معتدٍ، معتبراً أن تصعيد الخطاب العدائي ضد الشعب الإيراني يمثل تهديداً مباشراً لن يمر دون رد.
وأعربت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الأيام الماضية عن دعمهما للاحتجاجات في إيران، في وقت تتبادل فيه الأطراف تهديدات متصاعدة منذ اندلاع الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل في يونيو/حزيران الماضي، والتي شهدت أيضاً مشاركة عسكرية أميركية بضربات استهدفت طهران.
وكانت تلك الحرب قد اندلعت بعد هجوم إسرائيلي مفاجئ على إيران، في أعقاب جولات من المفاوضات النووية بين طهران وواشنطن انتهت إلى طريق مسدود.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأربعاء، إن بلاده “لم تغادر طاولة المفاوضات يوماً”، متهماً الإدارة الأميركية بعرقلة المحادثات التي قال إنها يجب أن تقوم على “المصالح المشتركة والاحترام المتبادل”.
وأكد عراقجي أن القضايا الداخلية الإيرانية “شأن يخص الشعب الإيراني وحده”، مشدداً على أنه “لا توجد أي ولاية قضائية لأي حكومة أجنبية على الشؤون الداخلية لإيران”.
وتأتي هذه التطورات في ظل وضع اقتصادي متدهور، إذ يعاني الإيرانيون من تضخم مرتفع وارتفاع حاد في تكاليف المعيشة، إلى جانب ضعف مستمر في العملة المحلية.
ولم تؤدِ العقوبات الأميركية والدولية التي فُرضت العام الماضي إلا إلى تعميق الأزمة، ما زاد من حدة الاحتقان الشعبي ودفع شرائح واسعة إلى الشارع، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية التي تواجهها البلاد منذ سنوات.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73616