قالت مجلة الإيكونومست البريطانية إن شبح الحرب يخيم على الصدام المستمر بين الولايات المتحدة وإيران وذلك رغم استمرار نافذة الدبلوماسية بعد تعثر محادثات أخيرة للسلام بين الطرفين.
وبحسب المجلة انتهى ما يقرب من يوم كامل من المفاوضات بمؤتمر صحفي مقتضب استمر ثلاث دقائق فقط—ومن دون اتفاق. بدأت المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران بعد ظهر يوم السبت واستمرت طوال الليل، لما يقارب 21 ساعة إجمالاً.
ومع شروق الشمس في إسلام آباد، العاصمة الباكستانية، خرج نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس لإحاطة الصحفيين قائلاً: “لم نتوصل إلى اتفاق. لقد أوضحنا بشكل كامل خطوطنا الحمراء… وقد اختاروا عدم قبول شروطنا”.
وقد كان المزاج في الجانب الإيراني قاتماً بالقدر نفسه. وقال إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية، إن المحادثات جرت وسط “انعدام ثقة وشكوك”.
وألقت وسائل الإعلام الرسمية باللوم على “المطالب الأميركية المفرطة” في عرقلة التوصل إلى اتفاق. وقد عاد قادة الوفدين الآن إلى بلدانهم من دون تحديد موعد لجولة جديدة من المفاوضات.
وقالت المجلة إن فشل قمة واحدة لا يعني موت الدبلوماسية. فما يزال هناك وقت لمزيد من المحادثات: فوقف إطلاق النار الذي أُعلن في 8 أبريل من المفترض أن يستمر لمدة أسبوعين، ويمكن تمديده باتفاق متبادل.
وعلى الرغم من أن فانس بدا وكأنه لا يترك مجالاً إضافياً للتفاوض، فإن تقديم “عرض نهائي” ثم الانسحاب هو بحد ذاته تكتيك تفاوضي. ومع ذلك، فإن نتيجة محادثات إسلام آباد تؤكد مدى صعوبة إنهاء حرب يعتقد كل طرف فيها أنه منتصر.
وكانت هناك بعض أسباب التفاؤل. فقد كانت هذه أعلى مستوى من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
وقد أعجب الإيرانيون بقيادة فانس للوفد الأميركي، على أمل أن يكون—بوصفه مشككاً معلناً في حروب الشرق الأوسط ومرشحاً محتملاً للرئاسة—لديه دافع قوي للتوصل إلى اتفاق.
وعلى الجانب الآخر جلس محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، وهو لقب لا يعكس أهميته الحقيقية، إذ يُعد أحد أقوى الشخصيات المتبقية في النظام.
ويقول دبلوماسيون إن المحادثات كانت جدية ومليئة بالمضمون، مع قلة في التسريبات. وقد جلب كل طرف فريقاً من الخبراء لمناقشة التفاصيل—وهو ما يُعد تحسناً مقارنة بمفاوضات سابقة كان فيها ستيف ويتكوف، مبعوث دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، يحاول التعامل مع ملفات نووية معقدة دون التعمق الكافي.
وعلى مدى أيام، هددت إيران بعدم الحضور أصلاً ما لم يشمل وقف إطلاق النار وقفاً لحرب إسرائيل في لبنان. وقد طلبت الولايات المتحدة من إسرائيل تقليص غاراتها الجوية، لكنها لم توقف الحرب بالكامل.
وفي النهاية، لم يكن لبنان محورياً في المحادثات. ويقول دبلوماسيون مطلعون إن التركيز انصب بدلاً من ذلك على ثلاثة ملفات: المال، والسفن، واليورانيوم.
وأشار فانس إلى أن الملف النووي كان نقطة الخلاف الأساسية، قائلاً: “نحتاج إلى التزام واضح بأنهم لن يسعوا إلى امتلاك سلاح نووي، ولن يسعوا إلى امتلاك الأدوات التي تمكنهم من تحقيق ذلك بسرعة”. ولم يوضح التفاصيل.
إلا أن الولايات المتحدة كانت قد طالبت في جولات سابقة بأن تتخلى إيران ليس فقط عن مخزونها الذي يتجاوز 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، بل أيضاً عن حقها في تخصيب أي يورانيوم—وهو ما رفضته إيران مراراً.
ومع ذلك، لم يكن من المرجح حل هذا الخلاف خلال أسبوعين، فضلاً عن اجتماع واحد. ففي المرة الأخيرة التي تفاوضت فيها الولايات المتحدة وإيران على اتفاق نووي في العقد الماضي، استغرق الأمر عامين.
والنتيجة الأكثر ترجيحاً لهذه المحادثات هي اتفاق مؤقت يعالج اثنين على الأقل من القضايا الثلاث الرئيسية ويمنح وقتاً لمزيد من التفاوض.
وقد يُطلب من إيران التخلي عن سيطرتها على مضيق هرمز وربما عن اليورانيوم القريب من درجة تصنيع السلاح، بينما ستحتاج الولايات المتحدة إلى تقديم حوافز اقتصادية، مثل الإفراج عن مليارات الدولارات من عائدات النفط الإيراني المجمدة في بنوك خارجية بسبب العقوبات.
وتكمن المعضلة بقدر ما هي في الجوهر في مسألة الترتيب الزمني. فإيران ترى في اليورانيوم ورقة ضغط قوية تستحق المقايضة في اتفاق شامل، وليس في اتفاق مؤقت. أما الولايات المتحدة فتفضل التعامل مع هذا الملف بسرعة، خشية بقائه بيد إيران خلال مفاوضات طويلة.
وكل طرف يتوقع أن يتراجع الآخر. الإيرانيون يعتقدون أنهم في موقع قوة بعد تحملهم ستة أسابيع من القصف من خصوم أقوى بكثير، وإلحاقهم أضراراً كبيرة بالاقتصاد العالمي. ويرون أن الوقت في صالحهم.
كما يرون أن ترامب يبدو متعباً من الحرب ويسعى لإنهائها قبل أن تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى إضعاف حزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
أما الولايات المتحدة فترى العكس. فعلى الرغم من أن الحرب لم تحقق العديد من أهدافها الرئيسية، فإنها ألحقت أضراراً كبيرة بقيادة إيران وقواتها المسلحة واقتصادها.
وقد تكون الجولة المقبلة أكثر إيلاماً: فحتى لو لم ينفذ ترامب تهديداته الأكثر قسوة، فمن المرجح أن تصعّد الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما على البنية التحتية والأهداف الاقتصادية.
ويكمن الخطر في أن يسيء الطرفان فهم بعضهما البعض. فقد تكون إيران مستعدة لتحمل جولة أخرى—وقد تقلل أيضاً من استعداد ترامب لبدئها. فقد سبق له أن نفذ تهديدين سابقين بمهاجمة إيران إذا تعثرت المفاوضات. ويقول دبلوماسي عربي: “هناك قدر كبير من الغرور في إيران حالياً”.
وتبدو تهديدات ترامب هذه المرة جدية أيضاً. فقد نشر البنتاغون بالفعل آلاف الجنود من مشاة البحرية في المنطقة، مع وصول المزيد من القوات: حاملة طائرات ثالثة تعبر الأطلسي، ومجموعة إنزال برمائي تعبر المحيط الهادئ. ومن المتوقع أن تصل هذه القوات قبل انتهاء وقف إطلاق النار.
كما عبرت مدمرتان أميركيتان مضيق هرمز يوم السبت، في أول عبور لسفن حربية أميركية منذ اندلاع الحرب، في إطار عملية لإزالة الألغام الإيرانية من الممر المائي.
ورغم تعهد إيران بفتح المضيق خلال وقف إطلاق النار، فإنه لا يزال مغلقاً إلى حد كبير. وتمكنت ثلاث ناقلات نفط من العبور يوم السبت، لكن عندما حاولت ناقلتان دخول الخليج في صباح اليوم التالي، حذرتهما قوات الحرس الثوري الإيراني ومنعتهما.
وبعد انتهاء المحادثات، قال ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي إنه أمر البحرية الأميركية بفرض حصار خاص بها على المضيق و”تعقب واعتراض” أي سفينة في المياه الدولية دفعت رسوماً لإيران. وتصدر إيران حالياً كميات نفط مماثلة لما كانت تصدره قبل الحرب—وربما أكثر—لكن بأسعار أعلى بكثير.
وكان بعض المسؤولين في الخليج قد حثوا ترامب على البدء في اعتراض السفن الإيرانية. ولا يزال هناك احتمال للتوصل إلى اتفاق؛ لكن هناك أيضاً احتمال أن تتجه الحرب—وفوضى أسواق الطاقة—نحو مزيد من التصعيد.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74702