الإمارات في أفريقيا: “سرطان” يتراجع تحت الضغوط

وصف الكاتب والمحلل المتخصص في شؤون أفريقيا، توماس سي ماونتن، الدور الإماراتي في القارة السمراء بأنه أشبه بـ”سرطان” يتمدد وينخر في جسد شرق ووسط أفريقيا، لكنه الآن بدأ يتراجع، بما يوحي – بحسبه – بإمكانية علاجه. وفي مقاله، رسم صورة قاتمة عن نفوذ أبوظبي، معتبرًا أنها لعبت دورًا خطيرًا في إذكاء الصراعات المسلحة وتمويل الميليشيات، من السودان إلى الصومال، وصولًا إلى منطقة الساحل الأفريقي.

ويرى الكاتب أن أول ظهور لما يسميه “السرطان الإماراتي” بدأ في السودان، عندما وقفت أبوظبي خلف الجنرال محمد حمدان دقلو “حميدتي” وقواته من الدعم السريع (المعروفة تاريخيًا بالجنجويد).

ويؤكد أن محاولة الانقلاب قبل نحو ثلاث سنوات كانت برعاية مباشرة من أبوظبي، حيث وفرت الأموال وشحنات الأسلحة لضمان تفوق ميليشيا الدعم السريع على الجيش السوداني. وبالفعل، يذكر ماونتن أن العاصمة الخرطوم سقطت سريعًا في أيدي قوات حميدتي، مما اضطر الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش والرئيس الفعلي للسودان، إلى الانسحاب إلى بورتسودان على البحر الأحمر.

لاحقًا، توجه البرهان إلى إريتريا، حيث تلقى جيشه دعمًا لوجستيًا وتدريبًا ميدانيًا، بل ومشاركة مباشرة من الجيش الإريتري المخضرم. هذا التدخل – بحسب الكاتب – كان نقطة التحول التي أعادت الجيش السوداني إلى الميدان وقلبت موازين المعركة ضد قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات.

شبكات تهريب وتسليح عابرة للحدود
يشير المقال إلى أن الإمارات، في محاولتها تعويض خسائر قوات حميدتي، كثّفت عمليات تهريب السلاح عبر تشاد. وصلت شحنات جوية كاملة إلى مطارات خاضعة للرقابة التشادية، كما تم تزويد الميليشيا بمئات الطائرات المسيّرة. ومع فشل تلك الجهود، بدأت أبوظبي في إرسال طائرات محملة بالمرتزقة من ليبيا وأفريقيا الوسطى والصومال وإثيوبيا، وحتى مقاتلين كولومبيين.

ولفت المقال إلى أن الجيش السوداني دمّر طائرة تقل مرتزقة كولومبيين في دارفور، ما أسقط أي ذريعة للإمارات في نفي تورطها المباشر. ومع الوقت، اضطر الجيش التشادي إلى تقليص دعمه للدعم السريع وإغلاق بعض مطاراته أمام الشحنات الإماراتية، بعد تحذيرات مباشرة من الخرطوم.

وعندما ضاق هامش الحركة أكثر، استعانت أبوظبي بحليفها الجنرال خليفة حفتر في ليبيا، الذي وفر لها قاعدة عسكرية على الحدود السودانية لتسهيل تدفق الأسلحة والإمدادات إلى قوات حميدتي.

جرائم إنسانية في غرب السودان
يشير الكاتب إلى أن انسحاب الدعم السريع من الخرطوم لم يكن نهاية القصة، بل بداية لفصل دموي في غرب السودان. فقد حاصرت قوات الدعم السريع مدينة الفاشر ومنعت عنها الغذاء والدواء لأشهر، ما تسبب في تفشي المجاعة والكوليرا، بالتزامن مع قصف متواصل بالطائرات المسيّرة. ويشبّه ماونتن الوضع في الفاشر بما يجري في غزة، معتبرًا أن المأساة الإنسانية في دارفور قد تكون “أسوأ” من حيث حجم الجوع والموت.

ولا يقتصر نفوذ أبوظبي، وفق المقال، على السودان. ففي الصومال، يتهم الكاتب الإمارات بتمويل حركة الشباب التابعة لتنظيم القاعدة، مشيرًا إلى أن الحركة تضم نحو 15 ألف مقاتل يتقاضى كل منهم 300 دولار شهريًا إضافة إلى المؤن والوقود. هذا الدعم – بحسبه – يكلّف الإمارات نحو مليار دولار على مدار 15 عامًا، مقابل محاولة ترسيخ وجودها عبر السيطرة على الموانئ الصومالية.

ويزعم الكاتب أن مسؤولين سابقين في الاستخبارات الصومالية أكدوا هذا التورط، موضحًا أن الإمارات استثمرت في الفوضى لكسب نفوذ بحري استراتيجي، خصوصًا على السواحل والموانئ الحيوية.

هوس الموانئ والاستراتيجية البحرية
يصف ماونتن هوس الإمارات بالسيطرة على الموانئ باعتباره المحرك الأساسي لسياساتها في أفريقيا. فمشاريعها تمتد من سقطرى في اليمن إلى الصومال والبحر الأحمر، وصولًا إلى الموانئ الليبية والسودانية. الهدف – كما يرى – هو ضمان شبكة لوجستية عسكرية وتجارية تمنح أبوظبي نفوذًا يتجاوز حجمها الجغرافي والسكاني.

غير أن التحالف الإقليمي الذي يضم إريتريا والسعودية ومصر والسودان نجح، حتى الآن، في منع هذا التمدد من الترسخ على ساحل البحر الأحمر.

وبرغم الإنفاق الضخم، يشير الكاتب إلى أن نفوذ الإمارات بدأ يتراجع بفعل الهزائم الميدانية في السودان والتعقيدات المتزايدة في إثيوبيا. كما أن جهودها في الصومال لم تحقق السيطرة المرجوة، فيما تكبدت سمعة سيئة بسبب ارتباطها بدعم الإرهاب والمرتزقة.

ويذهب إلى أن حتى داخل الدولة نفسها، هناك أصوات “غير سعيدة” بالسياسات التي تديرها أبوظبي في أفريقيا، إذ يرى بعض المسؤولين أن القيادة الحالية تجر البلاد إلى مغامرات خطرة لا طائل منها سوى زيادة الأعداء.

ويخلص توماس سي ماونتن إلى أن “سرطان” الإمارات في أفريقيا، وإن كان قد أحدث فوضى ودمارًا كبيرين، إلا أنه بات في مرحلة التراجع.

فالتدخل الإريتري في السودان، وممانعة بعض القوى الإقليمية في البحر الأحمر، وتراجع فعالية شبكات المرتزقة، كلها عوامل ساهمت في كبح النفوذ الإماراتي.

ومع ذلك، يحذّر الكاتب من أن انسحاب هذا النفوذ لن يحدث بسرعة، وأن قوات الدعم السريع وغيرها من الميليشيات المدعومة من أبوظبي ستترك وراءها إرثًا ثقيلًا من الجرائم الإنسانية والدمار قبل أن يتم القضاء على وجودها بشكل كامل.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.