الإمارات تجمع الحمض النووي لحديثي الولادة: مشروع صحي أم بنك بيانات تحت وصاية أبوظبي؟

تخطو الإمارات خطوة مثيرة للجدل في مجال الرعاية الصحية والبيانات الجينية، إذ بدأت أبوظبي بجمع الحمض النووي لحديثي الولادة من المواطنين الإماراتيين ضمن توسعة كبيرة لمشروع التسلسل الجيني الوطني. والمشروع، الذي تديره شركة M42 التابعة لمجموعة G42 المدعومة من الدولة، يُسوّق على أنه مبادرة متقدمة لوضع الإمارات في طليعة الابتكار الطبي، لكنه يثير في الوقت نفسه أسئلة حول حدود الخصوصية وأهداف الدولة من امتلاك قاعدة بيانات جينية واسعة النطاق.

68% من مواطني الإمارات تحت المجهر الجيني

بحسب ما كشفه متحدث باسم شركة M42 لموقع “سِمافور”، فقد نجحت أبوظبي حتى الآن في رسم الخريطة الجينية لنحو 68% من المواطنين الإماراتيين. ويجري حالياً تقديم خدمة التسلسل الجيني عند الولادة، حيث يُمنح الوالدان خيارًا “طوعيًا” للخضوع للفحص في عدة مستشفيات.

الهدف المعلن هو الكشف المبكر عن أكثر من 800 حالة وراثية قابلة للعلاج في مرحلة الطفولة. ويعتبر القائمون على المشروع أن هذه الخطوة ستفتح الباب أمام تحسين جودة الرعاية الصحية، وتطوير استراتيجيات وقائية وشخصية لمواجهة الأمراض الوراثية.

سد فجوة التمثيل العربي في الدراسات الجينية

يشير الخبراء إلى أن نحو 1% فقط من الجينومات المرسومة عالميًا تعود لأشخاص من أصول عربية، وهو ما يُشكل فجوة علمية كبيرة في قاعدة البيانات الجينية المستخدمة عالميًا. تسعى الإمارات إلى سد هذه الفجوة عبر مشروعها الوطني، ما يتيح لها أن تكون مرجعًا إقليميًا ودوليًا في مجال الطب الجيني، ويعزز صورتها كمركز متقدم للبحوث الصحية في العالم العربي.

لكن توسع المشروع ليشمل حديثي الولادة يفتح بابًا واسعًا للنقاش: هل يقتصر الأمر على الأهداف الصحية، أم أن هناك أبعادًا أخرى تتعلق بالتحكم في بيانات حساسة أو استخدامها في مجالات غير معلنة؟

البُعد التجاري: شراكات مع شركات أدوية عالمية

لا يتوقف المشروع عند حدود الرعاية الصحية المحلية، بل يمتد ليكون مشروعًا تجاريًا عالميًا. إذ تعمل شركة M42 حاليًا على التواصل مع شركات أدوية كبرى للاستفادة من قاعدة البيانات الجينية الضخمة التي يتم بناؤها.

قاعدة البيانات هذه ستمنح الشركات العالمية فرصة لتطوير أدوية موجهة للأمراض الوراثية الخاصة بالمجتمعات العربية، وهو ما قد يشكل نقلة نوعية في الطب الشخصي. غير أن هذا التعاون يُثير أيضًا تساؤلات حول حقوق المواطنين في بياناتهم الجينية، ومن يملك القرار في بيعها أو تبادلها مع شركات أجنبية.

G42 والذكاء الاصطناعي: بين الطب والتجسس البيولوجي

من المهم الإشارة إلى أن M42 ليست سوى ذراع صحية لشركة G42، التي تُعد واحدة من أكبر شركات الذكاء الاصطناعي المدعومة من أبوظبي، والتي ارتبط اسمها بتعاونات مثيرة للجدل في مجالات البيانات والتكنولوجيا.

وجود G42 في خلفية المشروع يعزز المخاوف من أن البيانات الجينية قد لا تقتصر على الاستخدام الطبي، بل يمكن أن تُستثمر في أغراض استراتيجية مثل بناء قواعد بيانات بيولوجية لأغراض أمنية أو حتى تجارية تتجاوز الحدود الصحية.

الفوائد المحتملة: بين العلاج والوقاية

من الناحية العلمية، يقدم المشروع فوائد واضحة:

الكشف المبكر عن مئات الأمراض الوراثية في مرحلة الطفولة.

تطوير علاجات شخصية تعتمد على التركيب الجيني للفرد.

تحسين الصحة العامة وتقليل كلفة علاج الأمراض المزمنة في المستقبل.

لكن هذه الفوائد لا تلغي حقيقة أن التحكم الكامل للدولة ببيانات حساسة للغاية يضع المواطنين أمام معضلة: هل يثقون في أن بيانات أبنائهم ستُستخدم فقط في إطار طبي بحت، أم أن مصيرها قد يتجاوز ذلك بكثير؟

الإمارات: بين الريادة الطبية والجدل الأخلاقي

من الواضح أن الإمارات تسعى إلى الريادة في مجال الطب الجيني على مستوى المنطقة، وأنها تستثمر بقوة في مشاريع تجعلها في موقع متقدم عالميًا. غير أن إدخال حديثي الولادة في المشروع يفتح الباب لجدل أخلاقي عميق:

هل يمكن اعتبار موافقة الأهل كافية لمنح الدولة حق الوصول إلى الحمض النووي لأطفالهم؟

ما هي الضمانات التي تضمن عدم إساءة استخدام هذه البيانات؟

وهل هناك شفافية حقيقية في كيفية تخزينها ومشاركتها مع أطراف خارجية؟

وما بين الخطاب الرسمي الذي يروج لمستقبل صحي أكثر أمانًا، والمخاوف من استخدامات غير معلنة للبيانات، يبقى مشروع الجينوم الوطني الإماراتي خطوة بالغة الأهمية لكنها محاطة بكثير من الغموض.

إن جمع الحمض النووي لحديثي الولادة قد يكون بداية ثورة طبية في العالم العربي، لكنه قد يتحول أيضًا إلى أداة سيطرة بيولوجية تمنح أبوظبي نفوذًا غير مسبوق على مواطنيها، وربما على شعوب المنطقة إذا توسعت شراكاتها مع دول أخرى.

بكلمات أخرى، قد يصبح المشروع رمزًا لريادة علمية عربية، أو نموذجًا جديدًا لـ”الرقابة الجينية” التي تثير مخاوف حقوقية وأخلاقية واسعة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.