اقتصاد منهار يشعل الشارع الإيراني: احتجاجات واسعة تتجاوز المطالب المعيشية

تشهد إيران منذ مطلع الأسبوع موجة احتجاجات متسارعة بدأت من قلب العاصمة طهران بدوافع اقتصادية صِرفة، قبل أن تتحول سريعًا إلى حركة غضب واسعة تطال شرائح اجتماعية متعددة وتمتد إلى مدن كبرى في مختلف أنحاء البلاد.

وقالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية إن الشرارة كانت الانهيار المتواصل في قيمة الريال الإيراني، لكن ما انكشف خلال أيام هو تراكم عميق لأزمة معيشية وسياسية دفعت الشارع إلى نقطة الغليان.

وبحسب الصحيفة فإن البداية جاءت يوم الأحد عندما أغلق أصحاب متاجر في مراكز تجارية وبازارات في طهران محالهم احتجاجًا على التدهور الحاد في سعر العملة.

وسرعان ما انتشرت مقاطع مصوّرة تُظهر تجارًا يهتفون في الشوارع داعين إلى إغلاق شامل للمحال، مرددين شعارات مثل: «لا تخافوا، لا تخافوا… نحن جميعًا معًا». هذا التحرك حمل دلالة استثنائية، إذ نادرًا ما قادت فئة “البازاريين” احتجاجات علنية منذ تأسيس النظام الإسلامي عام 1979، رغم كونهم تاريخيًا أحد أعمدته الاجتماعية.

ويعاني الإيرانيون منذ سنوات من تضخم مرتفع، ونمو اقتصادي ضعيف، وتدهور في القدرة الشرائية، في ظل مزيج من سوء الإدارة والفساد والعقوبات الدولية المرتبطة بالبرنامج النووي.

وتُظهر الأرقام الرسمية أن معدل التضخم بلغ نحو 50% هذا العام، فيما سجّل الاقتصاد انكماشًا طفيفًا. غير أن الانهيار الأخير في سعر الريال سرّع وتيرة الغضب؛ إذ تراجع إلى 1.38 مليون ريال مقابل الدولار يوم السبت، ثم إلى 1.44 مليون يوم الأحد، مسجّلًا مستويات قياسية متدنية.

ويرى مهدي قدسي، الخبير الاقتصادي في معهد فيينا للدراسات الاقتصادية الدولية، أن خروج التجار إلى الشارع شكّل رسالة واضحة بأن الأزمة لم تعد محصورة بالفئات الفقيرة.

وقال إن الفئات التي كانت قادرة سابقًا على امتصاص الصدمات لم تعد قادرة على الاستمرار، مشيرًا إلى أن موجات الاحتجاج السابقة، مثل احتجاجات 2017 و2019، قادها عمال ومزارعون وفئات أكثر هشاشة.

ومن بين أولى الفئات المتضررة بائعو الهواتف المحمولة في وسط طهران، حيث تعتمد تجارتهم على سلع مستوردة. ومع انهيار العملة، باتت أنشطتهم شبه متوقفة.

ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، أظهرت مقاطع مصوّرة يومي الاثنين والثلاثاء مسيرات في شوارع طهران، واحتجاجات متزامنة في مدن عدة، بينها شيراز وأصفهان ويزد وكرمانشاه، إضافة إلى زنجان وهمدان وجزيرة قشم.

وبحسب شهود عيان، اتخذت الاحتجاجات طابعًا ضاغطًا داخل الأسواق. وقال أحد سكان طهران، طلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول، إن مجموعات من المحتجين جابت البازار الرئيسي ودعت أصحاب المتاجر إلى الإغلاق، مهددة من يرفض بالشتائم، ومهللة لمن يستجيب.

وأشار إلى أن غالبية المشاركين كانوا من الشباب أصحاب الأعمال الصغيرة أو الناشئة، في حين غاب كبار التجار.

وسرعان ما تجاوزت الشعارات الإطار الاقتصادي. فقد رُصدت هتافات مناهضة للنظام، بينها «الموت للديكتاتور»، وشعارات تمجّد النظام الملكي السابق.

وبحلول مساء الاثنين، انضم طلاب جامعيون إلى التظاهرات، فيما أعلنت نقابة سائقي الشاحنات دعمها للاحتجاجات من دون الدعوة إلى إضراب. كما أعلنت شركات ومتاجر وعيادات ومطاعم إغلاق أبوابها تضامنًا مع المحتجين.

وتُعد هذه التحركات الأخطر منذ احتجاجات خريف 2022 التي اندلعت عقب مقتل مهسا أميني، كما أنها الأولى منذ المواجهة العسكرية الأخيرة مع إسرائيل في يونيو.

ومع تصاعدها، نشرت السلطات قوات أمنية على دراجات نارية في شوارع طهران، وسُجّل استخدام للغاز المسيل للدموع، فيما أظهرت مقاطع متفرقة إطلاق نار في الهواء. ولم تُسجَّل إصابات مؤكدة حتى الآن، رغم وقوع اشتباكات في مدينة همدان.

وبرزت صورة رمزية لرجل يجلس وحيدًا في أحد شوارع طهران مقابل صف من قوات الأمن، ما أعاد إلى الأذهان مشهد “رجل الدبابة” في ساحة تيانانمن عام 1989. وفي لافتة أخرى، امتنعت وسائل الإعلام الرسمية عن توصيف المحتجين بـ«المشاغبين»، واكتفت بوصفهم بـ«التجار»، في لهجة أقل تصعيدًا من موجات سابقة.

سياسيًا، حاول الرئيس مسعود بزشكيان امتصاص الغضب، فكتب أن معيشة الناس هي شغله اليومي، متعهدًا بإصلاحات نقدية ومصرفية، ومكلّفًا وزير الداخلية بالحوار مع ممثلي المحتجين.

لكن في المقابل، أطلق الحرس الثوري تحذيرات شديدة اللهجة من «الفتنة» و«الحرب الإدراكية»، مؤكدًا استعداده للتصدي لأي تهديد أمني.

وترافق ذلك مع إعلان إغلاق واسع للمؤسسات الحكومية والشركات يوم الأربعاء بحجة موجة برد وترشيد الطاقة، وهي خطوة فُسّرت على نطاق واسع كإجراء لتقليص التجمعات في الشوارع. في المقابل، التزم المرشد الأعلى علي خامنئي الصمت.

اقتصاديًا، جاءت الاحتجاجات في لحظة حساسة. فقد اقترحت الحكومة موازنة تقلّص القيمة الحقيقية لرواتب الموظفين وتزيد الضرائب، وقلّصت دعم الوقود، ما رفع أسعار البنزين. ورغم رفض البرلمان للموازنة، بقيت معضلة التمويل بلا حل واضح.

وفي شهادة تعكس أزمة جيل كامل، قال بارسا، طالب جامعي يبلغ 23 عامًا من كرمنشاه، إنه يتقاضى ما يعادل 70 دولارًا شهريًا، بينما تلتهم وجبة بسيطة نصف أجر أسبوع. وأضاف: «نستيقظ كل صباح لنتفقد سعر الدولار، فيفسد يومنا… جيلكم هو من ورّطنا في هذا الوضع».

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.