رفضت إيران بشكل قاطع تهديدات القوى الأوروبية بإعادة فرض العقوبات الدولية من خلال ما يُعرف بآلية “العودة السريعة”، معتبرة أن هذه الخطوة تفتقر إلى أي أساس قانوني أو أخلاقي، وسط تعثر الجهود الرامية إلى إحياء الاتفاق النووي لعام 2015.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في منشور عبر منصة X (تويتر سابقًا)، إن فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، لا يمتلكون أي شرعية قانونية لإعادة تفعيل العقوبات التي كانت قد رُفعت بموجب الاتفاق النووي، الذي تم التوصل إليه بعد مفاوضات مضنية استمرت عامين.
وأضاف عراقجي:
“إذا أراد الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الثلاث أن يكون لهم دور فعّال، فعليهم التحلي بالمسؤولية والتخلي عن سياسات التهديد والضغط البالية، بما فيها سياسة العودة السريعة، التي لا تملك أساساً قانونياً أو أخلاقياً.”
الضغوط الأوروبية تتزايد
وقد جاءت تصريحات عراقجي بعد اجتماع افتراضي عقده مع وزراء خارجية فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، إلى جانب كايا كلاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، مساء الخميس. وخلال الاجتماع، أبلغ الوزراء الجانب الإيراني بتصميمهم على تفعيل آلية “العودة السريعة” في حال لم تُحرز طهران تقدمًا واضحًا في ملفها النووي بحلول نهاية الصيف.
وأشارت وزارة الخارجية الفرنسية في بيان إلى أن الأوروبيين “يسعون لتحقيق اتفاق قابل للتحقق، وقوي، ودائم” بشأن البرنامج النووي الإيراني. وأكد البيان أن “الضغوط تتزايد على طهران للعودة إلى المسار الدبلوماسي دون تأخير”.
بموجب قرار مجلس الأمن 2231 الذي صادق على الاتفاق النووي عام 2015، يمكن لأي من القوى الكبرى الموقعة على الاتفاق تفعيل آلية “Snapback” لإعادة العقوبات، قبل 18 أكتوبر/تشرين الأول، إذا رأت أن إيران لا تفي بالتزاماتها.
الملف النووي على وقع التصعيد العسكري
يأتي هذا التصعيد الدبلوماسي في أعقاب حرب استمرت 12 يومًا بين إيران وإسرائيل في يونيو/حزيران الماضي، والتي بدأت بعدما شنّت إسرائيل ضربات جوية استهدفت مواقع نووية وعسكرية في إيران، وسط اتهامات متبادلة بشأن النشاط النووي العسكري لطهران.
ورغم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، لا تزال الأجواء مشحونة، وقد انعكست هذه التوترات على مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن إحياء الاتفاق. وكانت طهران وواشنطن قد أحرزتا تقدمًا نسبيًا في المحادثات خلال الشهور الماضية، لكن الحرب الأخيرة وضعت تلك الجهود في مهب الريح.
وفي هذا السياق، شدد عراقجي على أن بلاده لم تكن الطرف البادئ بالتصعيد العسكري أو بانهيار المفاوضات، قائلاً:
“الولايات المتحدة هي من انسحبت من الاتفاق الذي نسّقه الاتحاد الأوروبي عام 2015، وهي من غادرت طاولة المفاوضات في يونيو واختارت الخيار العسكري – وليست إيران.”
وأكد أن أي جولة جديدة من المحادثات لن تكون ممكنة إلا إذا أبدت الأطراف الأخرى استعداداً لاتفاق “عادل، ومتوازن، ومفيد للطرفين”، في إشارة واضحة إلى رفض الإملاءات الغربية.
البرنامج النووي الإيراني: بين السلمية والشكوك
من جهتها، لا تزال إيران تؤكد أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية فقط، وهو ما تنص عليه بنود الاتفاق النووي، وتصر على حقها في تطوير الطاقة النووية لأغراض مدنية. إلا أن القوى الغربية تواصل اتهام طهران بمحاولة تطوير قدرات عسكرية سرية، وهو ما تنفيه إيران بشدة.
وقد ازدادت الشكوك منذ الهجمات الإسرائيلية، حيث أُبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن بعض المواقع التي تعرّضت للقصف كانت قيد التوسع أو التخصيب بدرجات أعلى من المتفق عليها في الاتفاق النووي.
هل تلجأ أوروبا للعقوبات وحدها؟
يرى مراقبون أن الخطوة الأوروبية نحو تفعيل آلية العقوبات تعكس حالة من نفاد الصبر لدى العواصم الغربية، خاصةً بعد فشل الجهود المشتركة خلال السنوات الماضية في إعادة إيران إلى الالتزام الكامل ببنود الاتفاق.
إلا أن آخرين يحذرون من أن أي خطوة أوروبية منفردة بإعادة فرض العقوبات قد تُقابل بإجراءات تصعيدية من جانب طهران، وربما تؤدي إلى انهيار كامل للاتفاق النووي وتفجير أزمة إقليمية ودولية جديدة.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه أوروبا رغبتها في حل دبلوماسي، فإن لغة التهديد التي تستخدمها تجاه طهران لا تساعد على بناء الثقة، لا سيما بعد الضربات العسكرية الأخيرة وتوقف المفاوضات.
إيران، من جانبها، تتمسك بحقها السيادي في تطوير برنامج نووي سلمي، لكنها توجّه رسائل متكررة بأن التفاوض ليس خيارًا مفتوحًا إلى ما لا نهاية، بل يجب أن يُبنى على احترام متبادل ومصالح متوازنة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن الأسابيع القليلة القادمة ستكون حاسمة: إما العودة إلى طاولة المفاوضات قبل نهاية الصيف، أو العودة إلى مربع العقوبات والمواجهة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72008