آبار من عصور غابرة ودرهم عباسي يعيدان كتابة تاريخ شرق السعودية

كشفت السلطات السعودية خلال الأسبوع الماضي، عن سلسلة اكتشافات أثرية جديدة في المنطقة الشرقية، شملت آبارًا ومنشآت قديمة وقطعًا نقدية نادرة، في خطوة تعكس تسارع جهود المملكة في توثيق إرثها الحضاري وتعزيز حضوره ضمن المشهد الثقافي والسياحي، انسجامًا مع مستهدفات رؤية 2030.

وأعلنت هيئة التراث السعودية، التابعة لوزارة الثقافة، في بيان قبل أيام، عن اكتمال الموسم الأثري في موقع ميناء رأس قريّة بمحافظة الأحساء، أكبر محافظات المنطقة الشرقية.

وأسفرت أعمال التنقيب الميدانية عن الكشف عن 147 قطعة ومنشأة أثرية، من بينها ساحات مفتوحة وآبار قديمة، إضافة إلى لقى متنوعة تعكس تعاقب فترات تاريخية مختلفة على الموقع.

ووفق الهيئة، شملت المكتشفات أواني حجرية وزجاجية، وخرزًا، وشظايا فخارية تعود إلى فترات ما قبل الإسلام وبدايات العصر العباسي، ما يشير إلى نشاط بشري واقتصادي متواصل في المنطقة عبر قرون طويلة.

ويمثل هذا التنوع الزمني دليلاً إضافيًا على الدور الذي لعبته الأحساء وسواحل الخليج في شبكات الاستيطان والتجارة القديمة.

ومن أبرز الاكتشافات درهم فضي يعود إلى عام 765 ميلادية، سُكّ في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور. ويُعد هذا الدرهم شاهدًا ماديًا على حركة التبادل التجاري والنقدي بين الجزيرة العربية وبلاد الرافدين خلال العصر العباسي، بما يعزز فهم الباحثين لطبيعة الروابط الاقتصادية والسياسية في تلك المرحلة.

ويقع موقع رأس قريّة على مسافة تقارب 16 ميلًا شمال غربي ميناء العقير التاريخي، أحد أقدم موانئ الخليج العربي، والذي شكّل عبر عصور ما قبل الإسلام مركزًا حيويًا للتجارة البحرية والبرية.

ورغم أن الأهمية الأثرية للموقع كانت قد سُجلت لأول مرة عام 1976، فإن أعمال التنقيب الفعلية لم تنطلق إلا في عام 2024، بعد أن شكّلت هيئة التراث فريقًا وطنيًا من علماء الآثار لقيادة الحفريات.

وتشير نتائج التنقيب إلى وجود مستوطنات بشرية تعود إلى الفترة ما بين القرنين الثالث والرابع الميلاديين، مع ازدهار ملحوظ للنشاط البشري خلال العصر العباسي، ما يعكس تحولات اقتصادية واجتماعية شهدتها المنطقة في تلك الحقبة.

وتأتي هذه الاكتشافات في سياق اهتمام متزايد بتاريخ السعودية القديم، إذ باتت المملكة تحظى باعتراف علمي متنامٍ باعتبارها موطنًا لحضارات تمتد جذورها إلى عصور سحيقة. فقد سبق أن كشفت بعثات أثرية سعودية عن أدوات حجرية تعود إلى مئات آلاف السنين، في مواقع متفرقة من البلاد.

ومنذ عام 2016، تقود السعودية، تحت قيادة ولي العهد محمد بن سلمان، مسارًا إصلاحيًا واسعًا شمل الجوانب الاقتصادية والثقافية، مع تركيز خاص على السياحة التراثية.

وفي هذا الإطار، حظيت منطقة العلا باهتمام خاص، باعتبارها أحد أهم المراكز الأثرية في البلاد، وتضم موقع الحجر، أول موقع سعودي يُدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 2008.

وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أعلنت هيئة التراث إضافة أكثر من 1,500 موقع أثري جديد إلى السجل الوطني، ليرتفع إجمالي المواقع المسجلة إلى 11,577 موقعًا، في مؤشر واضح على تسارع عمليات التوثيق والحماية، وترسيخ التراث كأحد ركائز الهوية الوطنية والتنمية المستدامة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.