الأحد، 13 سبتمبر 2026 خبر موثوق.. رؤية أوسع

اتفاق مكة يعيد رسم التحالفات الإقليمية ويضع باكستان في قلب معادلات أمن الشرق الأوسط

شارك

عواصم- بدأت اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تفرض نفسها باعتبارها أحد أبرز التحولات في المشهد الأمني الإقليمي، بعدما جمعت ثلاثاً من أكثر الدول تأثيراً في العالم الإسلامي ضمن إطار دفاعي جماعي ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوماً على جميع الأطراف.

وتمنح هذه الصيغة الاتفاقية ثقلاً سياسياً وعسكرياً كبيراً، نظراً لتشابهها مع مبدأ الدفاع الجماعي الذي تقوم عليه المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي، رغم أن بنودها التنفيذية والالتزامات العسكرية التفصيلية لم تعلن بصورة كاملة حتى الآن.

وتبرز أهمية الاتفاق بالنسبة لباكستان بوصفها الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي، إذ يمثل انضمامها إلى هذا الإطار الدفاعي تحولاً واضحاً في سياستها التقليدية التي اتسمت بالحذر ومحاولة الحفاظ على موقع الوسيط بين القوى الإقليمية.

وجمع توقيع الاتفاق في مكة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في خطوة تعكس انتقال التعاون الثلاثي من التنسيق السياسي والعسكري إلى إطار دفاعي مؤسسي.

وجاء توقيع الاتفاق في ظل بيئة أمنية إقليمية مضطربة، بعدما أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى تغييرات واسعة في موازين القوى، ووصول الهجمات العسكرية إلى الأراضي السعودية، إلى جانب تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وما رافق ذلك من اضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وأثرت تلك التطورات بصورة مباشرة على السعودية وتركيا وباكستان، إذ تضررت تجارة الطاقة والأسمدة، بينما واجهت الدول الثلاث تحديات أمنية متزايدة دفعتها إلى تعزيز التنسيق العسكري فيما بينها.

كما واجهت السعودية تصاعداً في الهجمات المرتبطة بالتوترات الإقليمية، في حين تخشى تركيا من انعكاسات أي اضطراب جديد على حدودها مع إيران، بينما تراقب باكستان التطورات الأمنية على حدودها الغربية، في ظل استمرار المخاوف من امتداد الصراعات الإقليمية إلى داخل أراضيها.

واستند الاتفاق الجديد إلى تعاون عسكري سبق أن بدأ بين الرياض وإسلام آباد، بعدما وقعت الدولتان اتفاقية دفاع ثنائية أواخر عام 2025، أعقبها تعزيز التعاون العسكري، بينما واصلت تركيا توسيع حضورها باعتبارها أحد أبرز موردي الصناعات الدفاعية للطرفين.

ويجمع التحالف الجديد بين عناصر قوة مختلفة، إذ تمتلك السعودية الإمكانات المالية والثقل السياسي وموقعها المحوري في أسواق الطاقة، بينما توفر تركيا قاعدة صناعية دفاعية متطورة تشمل الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والذخائر الموجهة، في حين تضيف باكستان جيشاً كبيراً يتمتع بخبرة عملياتية طويلة، إضافة إلى امتلاكها قوة ردع نووية.

ولا تقتصر أهمية الاتفاق على الجوانب العسكرية، إذ يرتبط أيضاً بالحسابات الاقتصادية، خصوصاً بالنسبة لباكستان التي تسعى إلى توظيف تعاونها الأمني مع دول الخليج لتعزيز الاستثمارات والحصول على مزيد من الدعم المالي ومشروعات الطاقة، إلى جانب توسيع صادراتها الدفاعية وبرامج التدريب العسكري المشترك.

وفي المقابل، يوفر التعاون مع باكستان للسعودية الاستفادة من خبرات جيش خاض تجارب ميدانية واسعة، بينما تمنح الصناعات الدفاعية التركية بعداً تكنولوجياً إضافياً لهذا التحالف.

وأثار الاتفاق ردود فعل إيرانية سريعة، إذ اعتبر عدد من المسؤولين الإيرانيين أن أي ترتيبات دفاعية جديدة لن تحقق الأمن للسعودية، مؤكدين أن الاتفاقات العسكرية وحدها لا تغير معادلات الاستقرار في المنطقة.

كما يفرض الاتفاق تحديات أمام باكستان، التي حافظت طوال السنوات الماضية على توازن دقيق في علاقاتها مع إيران، وتجنبت الانخراط المباشر في صراعات الشرق الأوسط، خاصة بعد رفض برلمانها عام 2015 المشاركة في العمليات العسكرية باليمن.

ويخشى كثيرون داخل باكستان من أن يؤدي التقارب الدفاعي مع السعودية وتركيا إلى تعقيد علاقتها مع طهران، أو إلى إثارة حساسيات داخلية في ظل وجود أقلية شيعية كبيرة ترتبط بعلاقات دينية وسياسية مع إيران.

وامتدت تداعيات الاتفاق إلى خارج الشرق الأوسط، إذ تراقب الهند التطورات باهتمام، بالنظر إلى أن توثيق التعاون الدفاعي بين السعودية وباكستان قد يمنح إسلام آباد ثقلاً استراتيجياً إضافياً في مواجهة نيودلهي، بينما قد يعيد رسم توازنات الأمن الإقليمي في جنوب آسيا والخليج في آن واحد.

كما أثار الاتفاق نقاشاً حول إمكانية تحوله مستقبلاً إلى إطار دفاعي أوسع يضم دولاً إسلامية أخرى، في ظل تصاعد الدعوات إلى بناء منظومة أمنية إقليمية تعتمد بصورة أكبر على قدرات دول المنطقة، بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الضمانات الأمنية الخارجية.

قد يهمك أيضاً