مصر تشن غارات جوية سرية على قوات الدعم السريع في السودان بعد سقوط الفاشر

كشفت تقارير إعلامية وأدلة ميدانية حديثة أن مصر نفذت خلال الأشهر الماضية غارات جوية بطائرات مسيّرة ومقاتلات ضد قوات الدعم السريع في السودان، انطلاقاً من قاعدة جوية سرية داخل الصحراء الغربية المصرية، في تصعيد عسكري غير مسبوق لدور القاهرة في الحرب السودانية المستمرة.

وبحسب تقرير استقصائي نشرته صحيفة The New York Times، استند إلى صور أقمار صناعية وسجلات حركة طيران ومقاطع فيديو ومقابلات مع مسؤولين، فإن الضربات المصرية استمرت لما لا يقل عن ستة أشهر، وانطلقت من قاعدة عسكرية مخفية داخل مشروع زراعي ضخم في منطقة شرق العوينات، على بعد نحو 65 كيلومتراً من الحدود السودانية.

وتدعم القاهرة بشكل معلن الحكومة السودانية والقوات المسلحة السودانية في مواجهة قوات الدعم السريع، التي حققت تقدماً ميدانياً واسعاً خلال الأشهر الأخيرة، وسيطرت على عدد من المدن الاستراتيجية، أبرزها مدينة الفاشر، عاصمة إقليم شمال دارفور.

وتمثل الفاشر أهمية خاصة بالنسبة لمصر، ليس فقط لقربها الجغرافي النسبي من الحدود، بل أيضاً بسبب ما ارتبط بسقوطها من تقارير عن مجازر واسعة النطاق وجرائم حرب بحق المدنيين.

ووفق مصادر مصرية نقلت عنها الصحيفة، اعتبرت القاهرة سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر “خطاً أحمر” استدعى الانتقال من الدور الدبلوماسي إلى التدخل العسكري المباشر.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد وصف في تصريحات سابقة ما يجري في دارفور، ولا سيما الفاشر، بأنه تهديد مباشر للأمن القومي المصري، في إشارة إلى مخاوف من انهيار كامل للدولة السودانية وانتقال الفوضى إلى الحدود الجنوبية لمصر.

وأفاد موقع Middle East Eye في تقارير سابقة أن القاهرة كثّفت منذ أواخر عام 2025 ضرباتها الجوية ضد قوافل إمداد قوات الدعم السريع، خاصة تلك التي تمر عبر مناطق قريبة من الحدود المصرية أو قادمة من شرق ليبيا.

كما أشار الموقع إلى تنسيق مصري–تركي لدعم الجيش السوداني بعد سقوط الفاشر.

وفي أوائل ديسمبر، نشر المحلل الإقليمي جليل حرشاوي معلومات تفيد بأن مقاتلات ميغ-29 المصرية نفذت غارات جوية مكثفة على قوافل تابعة لقوات الدعم السريع كانت تتحرك من مناطق يسيطر عليها القائد الليبي خليفة حفتر باتجاه السودان.

وتحظى قوات الدعم السريع بدعم سياسي وعسكري من الإمارات العربية المتحدة، رغم نفي أبوظبي المتكرر لذلك. وتشير تقارير أممية وإعلامية إلى أن حفتر لعب دوراً محورياً في تسهيل هذا الدعم عبر قواعد جوية في شرق ليبيا، أبرزها قاعدة الكفرة، التي تُعد عقدة لوجستية مهمة في الصراع.

وبحسب مصادر دبلوماسية، مارست القاهرة ضغوطاً مباشرة على حفتر لوقف تمرير الدعم الإماراتي إلى قوات الدعم السريع، غير أن هذه الجهود لم تحقق نتائج ملموسة حتى الآن، ما عزز قناعة مصر بضرورة التحرك العسكري المباشر.

ويأتي هذا التصعيد في سياق توتر إقليمي أوسع، شمل خلافاً علنياً بين السعودية والإمارات على خلفية ملفات عدة، من بينها السودان واليمن.

وتشير تقارير إلى أن القاهرة تبادلت خلال الأسابيع الماضية معلومات استخباراتية مع الرياض بشأن أنشطة إماراتية في ساحات صراع إقليمية.

ومن اللافت أن مشروع شرق العوينات الزراعي، الذي انطلقت منه الغارات المصرية، كان قد استقطب في السنوات الأخيرة استثمارات من شركات زراعية إماراتية كبرى، ما يضفي بعداً سياسياً واقتصادياً إضافياً على المشهد.

وفي نوفمبر الماضي، أقرت قوات الدعم السريع في بيان رسمي بأن الطائرات المسيّرة التي تستهدف مواقعها “تنطلق من قاعدة أجنبية”، مهددة بالرد “في الزمان والمكان المناسبين”، دون تسمية مصر بشكل مباشر.

ميدانياً، تبدو نتائج المعارك كارثية على المدنيين. فقد وصفت منظمة Médecins Sans Frontières (أطباء بلا حدود) مدينة الفاشر، عقب زيارة محدودة في يناير 2026، بأنها “مدمرة إلى حد كبير” و”أشبه بمدينة أشباح”، مع اختفاء معظم سكانها وتدمير واسع للبنية التحتية.

وقالت المنظمة إن حجم الدمار الذي شاهدته خلال ساعات قليلة يعكس “مأساة إنسانية هائلة” ويؤكد أن الحرب في السودان دخلت مرحلة أكثر وحشية، مع اتساع دائرة التدخلات الإقليمية وتراجع فرص الحل السياسي في المدى المنظور.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.