في كل بداية عام، يضع ملايين الأشخاص حول العالم قرارات جديدة تتعلق بالصحة أو المال أو العمل، لكن الدراسات تشير إلى أن ما بين 80 و90 في المئة من هذه القرارات تفشل خلال أسابيع قليلة.
وبحسب مقاربات حديثة في علم النفس والسلوك، فإن المشكلة لا تكمن في ضعف الإرادة، بل في طريقة فهم الناس للتغيير نفسه.
ويرى الكاتب دان كوي أن معظم محاولات التغيير تُبنى على أسس سطحية، إذ يركّز الأفراد على تعديل أفعالهم فقط، من دون المساس بهويتهم العميقة أو الطريقة التي يرون بها أنفسهم والعالم من حولهم.
ويؤكد أن التغيير الحقيقي لا يحدث عندما “تجبر نفسك” على سلوك جديد، بل عندما تصبح هذه السلوكيات انعكاسًا طبيعيًا لهوية مختلفة.
ويشرح كوي أن الشخص لا يكون حيث يريد في حياته غالبًا لأنه “ليس الشخص القادر بعد على العيش هناك”.
فرياضي كمال الأجسام، على سبيل المثال، لا يعاني مع الالتزام بالطعام الصحي، لأن هذا النمط بات جزءًا من هويته، تمامًا كما لا يحتاج المدير التنفيذي الناجح إلى تحفيز نفسه يوميًا للقيادة واتخاذ القرار.
ويخلص الكاتب إلى قاعدة مركزية: إذا أردت نتيجة معينة، فعليك أن تعيش نمط الحياة الذي يصنعها قبل الوصول إليها بوقت طويل.
وفي سياق متصل، يشير كوي إلى أن كثيرين يعلنون رغبتهم في التغيير، لكن أفعالهم اليومية تناقض ذلك.
ويستند هنا إلى مقولة عالم النفس ألفرد أدلر: “ثق بالحركة وحدها، فالحياة تحدث على مستوى الأفعال لا الكلمات”. فكل سلوك، بحسب هذا التصور، موجّه نحو هدف ما، حتى السلوكيات التي تبدو مدمّرة أو غير عقلانية.
فالتسويف، على سبيل المثال، لا يعني دائمًا الكسل، بل قد يكون وسيلة لا واعية لتجنّب الخوف من الفشل أو من تقييم الآخرين. والبقاء في وظيفة مسدودة الأفق قد لا يكون ضعفًا في الشجاعة، بل بحثًا عن الأمان وتجنّب المخاطرة الاجتماعية.
ويؤكد الكاتب أن التغيير الحقيقي يبدأ عندما يغيّر الإنسان أهدافه العميقة وزاوية رؤيته للعالم، لا عندما يضيف هدفًا سطحيًا جديدًا إلى قائمته.
كما يربط كوي بين الخوف والهوية، معتبرًا أن كثيرين لا يصلون إلى ما يريدون لأنهم يخشون أن يصبحوا ذلك الشخص الجديد. فالهوية، وفق تحليله، تتشكّل عبر حلقة تبدأ بهدف، ثم إدراك، ثم سلوك متكرر، إلى أن يصبح هذا السلوك جزءًا من تصور الإنسان عن نفسه، فيدافع عنه تلقائيًا.
وكسر هذه الحلقة يتطلّب وعيًا عميقًا بالبرمجة النفسية التي تبدأ منذ الطفولة، حيث يتعلّم الفرد التكيّف مع توقعات الأسرة والمجتمع لضمان “البقاء” النفسي.
ويتناول الكاتب أيضًا تطوّر الوعي الإنساني عبر مراحل، من الاندفاعي والامتثالي، وصولًا إلى الفرداني والاستراتيجي، معتبرًا أن الحياة التي يسعى إليها الإنسان ترتبط مباشرة بمستوى وعيه الحالي.
ويشير إلى أن معظم الناس يقفون في منتصف هذا الطيف، يشعرون بأنهم خُلقوا لأكثر مما يعيشونه، لكنهم عاجزون عن بلورة الاتجاه التالي.
وفي محور آخر، يعرّف كوي الذكاء تعريفًا عمليًا، مستشهدًا برجل الأعمال نافال رافيكانت، الذي يرى أن “الاختبار الحقيقي للذكاء هو: هل تحصل على ما تريده من الحياة؟”.
ويشرح أن الذكاء هنا لا يعني المعرفة، بل القدرة على التوجيه المستمر، وتصحيح المسار، والتعلّم من الأخطاء ضمن نظام واضح الهدف.
أما الحل العملي، فيقترحه الكاتب عبر بروتوكول مكثف يمكن إنجازه خلال يوم واحد. يقوم هذا البروتوكول على مراجعة نفسية عميقة صباحًا، عبر أسئلة صريحة تكشف مصادر الاستياء والخوف والأهداف الخفية، ثم تعطيل “الطيار الآلي” طوال اليوم عبر تذكيرات وأسئلة تكسر الأنماط اللاواعية، وصولًا إلى مساء مخصص لاستخلاص الرؤى وتحويلها إلى اتجاه واضح وخطوات ملموسة.
ويؤكد كوي أن هذا اليوم الواحد لا يغيّر الحياة بحد ذاته، لكنه قد يشكّل نقطة التحول الحاسمة، إذا وُضع الإنسان أمام حقيقة ما يرفض الاستمرار فيه، وما يريد بناءه فعلًا. فالتقدّم، بحسبه، لا يكمن في الوصول إلى خط نهاية وهمي، بل في كسر النمط القديم، والدخول في مسار واعٍ يجعل التغيير نتيجة طبيعية لا معركة يومية.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73716