
الرياض- أدانت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، استخدام السلطات السعودية الحجب الرقمي كامتداد لسياسات قمع حرية الرأي والتعبير، متهمةً إياها بتكثيف الضغوط على شركات التكنولوجيا العالمية لحجب أو تقييد حسابات تعود لمدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات حقوقية ومعارضين سعوديين، بما يحد من وصول المستخدمين داخل المملكة إلى المحتوى الحقوقي والسياسي المستقل.
وقالت المنظمة، في تقرير حديث، إن السلطات السعودية صعدت خلال عام 2026 جهودها الرامية إلى تقييد الوصول إلى المحتوى الحقوقي والسياسي عبر منصات التواصل الاجتماعي العالمية، مستهدفة حسابات ومنصات تنشر مواد تتعلق بحقوق الإنسان، وعقوبة الإعدام، والاعتقالات التعسفية، والمحاكمات غير العادلة، معتبرة أن هذه الإجراءات تمثل امتدادًا رقمياً لسياسات التضييق على حرية التعبير.
وأضاف التقرير أن هذه الممارسات تثير مخاوف جدية بشأن الحق في حرية الرأي والتعبير والوصول إلى المعلومات، كما تطرح تساؤلات حول مدى التزام شركات التكنولوجيا بمسؤولياتها في احترام حقوق الإنسان عند الاستجابة لطلبات صادرة عن حكومة تقول المنظمة إن لها سجلًا موثقًا في ملاحقة المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السلميين.
وربطت المنظمة بين هذه الإجراءات وما وصفته بالنهج الأوسع لتفكيك المجتمع المدني المستقل داخل السعودية، مشيرة إلى أن سنوات من الاعتقالات، والمحاكمات، وأحكام السجن الطويلة، وقرارات حظر السفر، وإغلاق المساحات المدنية المستقلة، أدت إلى تقليص قدرة النشطاء والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان على مواصلة عملهم داخل البلاد، ودفع أعداد متزايدة منهم إلى ممارسة نشاطهم من الخارج.
وأوضحت أن انتقال جزء كبير من المجتمع المدني السعودي إلى المنفى لم ينهِ، بحسب وصفها، عمليات الاستهداف، بل امتدت إلى خارج الحدود من خلال المراقبة، والتهديد، والترهيب، والضغط على أفراد عائلات النشطاء، ومحاولات اختراق الأجهزة والحسابات الإلكترونية، إلى جانب ما وصفته باعتداءات خطيرة كان أبرزها مقتل الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018.
واعتبرت المنظمة أن الضغط على شركات التكنولوجيا لحجب حسابات المدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية يمثل “امتدادًا رقميًا للقمع العابر للحدود”، موضحة أن الحجب الجغرافي، رغم اختلافه عن الانتهاكات الجسدية، يلتقي معها في هدف الحد من قدرة المجتمع المدني المستقل على الوصول إلى الجمهور وتوثيق الانتهاكات.
وكشف التقرير أن شركة ميتا فرضت، اعتبارًا من 30 أبريل/نيسان 2026، قيودًا جغرافية على عدد من الحسابات والمنظمات الحقوقية المعنية بالشأن السعودي، بحيث أصبحت غير متاحة للمستخدمين داخل المملكة.
وشملت هذه القيود، بحسب المنظمة، حسابات منظمة القسط لحقوق الإنسان، ومنصة الديوان الديمقراطي، والباحث السعودي عبد الله العودة، والمدافع عن حقوق الإنسان يحيى عسيري، إضافة إلى حسابات أخرى لناشطين سعوديين يقيمون في أوروبا وأمريكا الشمالية.
وأضافت أن اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان في الشرق الأوسط (ACMER) أفادت بأن ما لا يقل عن سبعة حسابات إضافية تعرضت للحجب داخل السعودية بحلول نهاية أبريل الماضي، من بينها حسابات لمواطنين أمريكيين وأشخاص مقيمين في أوروبا.
وبحسب التقرير، أظهرت بيانات الشفافية الصادرة عن شركة ميتا أن السلطات السعودية طلبت خلال أبريل 2026 فرض قيود على 144 حسابًا وصفحة وملفًا شخصيًا على منصتي فيسبوك وإنستغرام، بينما استجابت الشركة لعدد كبير من تلك الطلبات، وفرضت قيودًا على 108 عناصر، في واحدة من أكبر موجات الحجب المرتبطة بالمحتوى الحقوقي والسياسي السعودي خلال السنوات الأخيرة.
وأوضحت المنظمة أن ميتا أبلغت أصحاب الحسابات المتضررة بأن القيود جاءت استجابة لما وصفته بـ”متطلب قانوني محلي” أو “طلب حكومي”، مشيرة إلى أن الشركة قالت إنها أجرت تقييمًا قانونيًا وحقوقيًا قبل تنفيذ القيود، وأخذت في الاعتبار الآثار المتعلقة بحقوق الإنسان.
ورأت المنظمة أن الاستناد إلى نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، وخاصة المادة السادسة منه، يثير مخاوف حقوقية بسبب استخدام عبارات فضفاضة مثل “المساس بالنظام العام” و”القيم الدينية” و”الآداب العامة”، والتي قالت إنها استخدمت على مدى سنوات لتجريم التعبير السلمي والعمل الحقوقي والإعلامي المستقل.
وفيما يتعلق بمنصة يوتيوب، أشار التقرير إلى تلقي القائمين على قناة “إذاعة 98” إشعارًا يفيد بأن المنصة استجابت لشكوى قانونية مقدمة من جهة حكومية سعودية، وقررت حجب أحد مقاطعها داخل السعودية مع إبقائه متاحًا في بقية دول العالم، معتبرًا أن ذلك يعكس استخدام آليات الحجب الجغرافي للحد من وصول الجمهور السعودي إلى المحتوى الحقوقي والإعلامي.
كما تناول التقرير منصة X، موضحًا أن عددًا من النشطاء والمعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان تلقوا خلال عام 2026 إشعارات من المنصة بشأن تلقيها طلبات رسمية من جهات سعودية لحجب حساباتهم داخل المملكة. وذكر التقرير أن من بين هذه الحسابات حسابات علي الدبيسي، وثامر الزهراني، وسلطان العبدلي، وعبد الله العودة، ويحيى عسيري، وعمر عبد العزيز، وغانم الدوسري، وآخرين.
وأشار التقرير أيضًا إلى ظهور موقع إلكتروني يحمل اسم “مرصد” ويعرّف نفسه بأنه “مشروع مجتمعي”، ويعرض قوائم بحسابات معارضة وحقوقية حُجبت داخل السعودية، كما يدعو المستخدمين إلى اقتراح حسابات أخرى للحجب والتصويت عليها، وهو ما اعتبرته المنظمة تطورًا يعزز، بحسب وصفها، الرقابة المجتمعية والوشاية الرقمية ضد الخطاب الحقوقي والسياسي.
وأكدت المنظمة أن المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تكفل الحق في حرية الرأي والتعبير، فيما تشكل المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية معيارًا دوليًا أساسيًا لحماية هذا الحق.
ونبهت إلى أن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة شددت في تعليقها العام رقم (34) على أن أي قيود على حرية التعبير يجب أن تستوفي معايير الشرعية والضرورة والتناسب، وألا تستخدم لقمع النشاط الحقوقي أو الخطاب السلمي.
واختتمت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان تقريرها بالقول إن الوقائع الموثقة تكشف، بحسب تقييمها، عن نمط متصاعد من محاولات تقييد الوصول إلى المحتوى الحقوقي والسياسي عبر المنصات الرقمية العالمية، داعية شركات التكنولوجيا إلى إجراء تقييمات مستقلة وشفافة لطلبات الحجب الحكومية، وضمان توافق استجابتها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، محذرة من أن الاستجابة غير المقيدة لهذه الطلبات قد تسهم في تقويض حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=75357
