حازت شركة «موانئ دبي العالمية» الإماراتية على امتياز مدته ثلاثون عاماً لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس السوري، في صفقة تبلغ قيمتها نحو 800 مليون دولار، بحسب ما أكدته وسائل إعلام سورية رسمية.
والاتفاق، الذي جرى توقيعه بحضور الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع يوم الأحد الماضي، يأتي بمثابة إعلان دخول الإمارات بقوة على خط النفوذ في سوريا الجديدة بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، فيما يرى مراقبون أن أبوظبي تتحرك بخطط اقتصادية مغلفة لكنها تحمل في طياتها أطماعاً استراتيجية لا تخطئها العين.
وبينما يحتفي الإعلام الرسمي السوري بالاتفاق على أنه «إعادة إحياء لمركز تجاري يربط جنوب أوروبا بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، يرى كثيرون أن الصفقة ليست سوى أداة إماراتية لتثبيت موطئ قدم طويل الأمد في بلد لم تكد تخرج من أتون حرب مدمرة حتى وجدت نفسها عرضة لنفوذ إقليمي متصارع.
أجندة أبوظبي الخفية: اقتصاد أم نفوذ سياسي؟
ليس سراً أن الإمارات لطالما استخدمت استثماراتها في الموانئ والمطارات والبنية التحتية كورقة نفوذ سياسي. من اليمن إلى القرن الأفريقي، مروراً بأفغانستان ما بعد طالبان، استخدمت أبوظبي شركاتها الكبرى كأذرع اقتصادية لتأمين مواقع استراتيجية وخنق منافسيها، والآن جاء الدور على الساحل السوري.
ميناء طرطوس، ثاني أكبر موانئ سوريا، لطالما كان هدفاً ثميناً في صراع النفوذ الإقليمي والدولي، إذ لا يُعد مجرد بوابة بحرية، بل ممراً حيوياً قد يُعيد رسم خرائط التجارة والطاقة في شرق المتوسط.
ومن هنا، تدرك الإمارات أن السيطرة على ميناء طرطوس تعني امتلاك مفتاح لوجستي لطرق التجارة الإقليمية وخطوط الإمداد، وربما ورقة ضغط في مواجهة منافسين مثل تركيا وإيران.
والاتفاق، الذي تم بعد أسابيع قليلة من إلغاء العقوبات الأمريكية على سوريا بأمر رئاسي من دونالد ترامب في يونيو الماضي، يضع أبوظبي في مقدمة السباق نحو إعادة إعمار سوريا.
لكن المقلق في الأمر أن استثمارات الإمارات ليست بريئة ولا خالصة النوايا التنموية، بل تخضع لحسابات سياسية وأمنية وتجارية أوسع، تستهدف توسيع رقعتها في بلاد أنهكتها الحرب.
اختراق اقتصادي على أنقاض بلد مدمر
يتحدث المسؤولون الإماراتيون عن رغبتهم في دعم «الانتعاش الاقتصادي» السوري، لكن الحقيقة أن أبوظبي ترى في الخراب السوري فرصة ذهبية لفرض نفوذها.
فالشراكة مع موانئ دبي العالمية تعني التحكم في تدفقات البضائع والمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، وهي مجالات قادرة على منح الإمارات نفوذاً اقتصادياً وسياسياً بالغ الأهمية في المشهد السوري المقبل.
وبينما تُسوّق الصفقة باعتبارها بوابة لتحديث البنية التحتية وخلق فرص عمل، لا يُخفي كثيرون في دمشق قلقهم من أن تتحول طرطوس إلى «إمارة اقتصادية إماراتية» في سوريا، على غرار ما فعلته أبوظبي في مناطق أخرى حول العالم، حيث استغلت عقود تشغيل الموانئ لبسط سيطرة سياسية واقتصادية طويلة الأجل.
تنافس إقليمي محموم… ودمشق في مهب الصفقات
اللافت أن اندفاعة الإمارات نحو طرطوس تأتي بينما تتحرك شركات أوروبية مثل CMA CGM الفرنسية بسرعة لاقتناص فرص في الموانئ السورية الأخرى، كجزء من السباق على إعادة إعمار سوريا بعد تخفيف العقوبات الأوروبية.
وفي مايو الماضي، أبرمت الشركة الفرنسية صفقة بمئات الملايين لتحديث ميناء اللاذقية، ما يعكس حجم التنافس على المواقع الاستراتيجية في الساحل السوري.
في المقابل، اختارت الإمارات اللعب بأوراقها المعتادة: استثمار ضخم، ترويج إعلامي، ولقاءات دبلوماسية رفيعة المستوى مع قادة سوريا الجدد. ومن الواضح أن أبوظبي لا تريد أن تظل مجرد شريك اقتصادي، بل تسعى لأن تكون لاعباً سياسياً محورياً يتحكم في مفاتيح المستقبل السوري.
الغموض القانوني يظل حاضراً
ورغم كل الوعود، لا يزال المشهد القانوني للاستثمار في سوريا مليئاً بالألغام. فالقوانين القديمة لا تضمن الحماية الكافية للمستثمرين، فيما يجري العمل على تشريع جديد قد لا يكتمل قريباً.
وكل هذا يُبقي استثمار موانئ دبي العالمية عرضة للمخاطر، خاصة أن الكونغرس الأمريكي يلوّح بإعادة فرض عقوبات على دمشق في أي لحظة، ما قد يُفشل الصفقة أو يُحوّلها إلى عبء اقتصادي وسياسي.
وبينما تتحدث الإمارات عن «مستقبل مشرق لسوريا»، تتزايد المخاوف من أن تتحوّل طرطوس إلى أداة جديدة من أدوات الهيمنة الإماراتية، في بلد يتعافى بالكاد من حرب طاحنة، ويواجه خطر وقوعه مجدداً رهينة للمصالح الإقليمية والدولية المتضاربة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71978