صراع النفوذ على البحر الأحمر: مصر والسعودية في مواجهة الإمارات

برزت إريتريا خلال الأشهر الأخيرة كنقطة ارتكاز جديدة في التنافس الإقليمي على البحر الأحمر، مع تحركات تقودها مصر والمملكة العربية السعودية لتعميق التعاون الأمني مع أسمرة، في مقابل تسارع خطوات الإمارات العربية المتحدة لتعزيز علاقاتها العسكرية مع إثيوبيا.

وقال مسؤولان عربيان مطلعان على التحركات الدبلوماسية الأخيرة لموقع ميدل إيست آي البريطاني، إن القاهرة تسعى إلى لعب دور الوسيط لتقريب الرياض وأسمرة من بعضهما البعض، بهدف تقليص هامش النفوذ الإماراتي في القرن الأفريقي، في ظل تنامي التعاون العسكري بين أبوظبي وأديس أبابا.

وتأتي هذه الجهود في سياق إعادة رسم التحالفات الإقليمية حول البحر الأحمر، الذي بات ساحة تنافس مفتوحة بين القوى العربية.

وبحسب المصادر، استُلهم هذا الحراك من صفقة دفاعية أُبرمت في يناير الماضي بين الجيش السوداني وباكستان، يُعتقد على نطاق واسع أن السعودية موّلتها.

ورغم عدم تسليم أنظمة الأسلحة حتى الآن، فإن الصفقة اعتُبرت إشارة على استعداد الرياض لاستخدام أدوات غير مباشرة لدعم حلفائها في الإقليم.

وذكر ميدل إيست آي أن المفاوضات أدارها رئيس أركان القوات الجوية الباكستانية ظهير أحمد بابر سيدهو، إلى جانب الفريق تركي بن بندر من القوات الجوية السعودية، نيابة عن قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان.

وتعكس هذه الدبلوماسية الثلاثية شبكة تحالفات متحركة تمتد من الخليج إلى القرن الأفريقي. ففي وقت سابق، كانت كل من مصر وإريتريا تُصنّفان ضمن أقرب شركاء الإمارات في المنطقة.

إلا أن العلاقات بين القاهرة وأبوظبي شهدت توتراً نسبياً على خلفية الحرب في السودان والتطورات في قطاع غزة، فيما دخلت علاقة الإمارات مع إريتريا مرحلة فتور بعد سنوات من التعاون العسكري الوثيق.

وكانت إريتريا، بقيادة الرئيس أسياس أفورقي، قد شكّلت قاعدة رئيسية للعمليات العسكرية الإماراتية في اليمن، خصوصاً عبر ميناء عصب على البحر الأحمر. غير أن أبوظبي فككت تلك القاعدة عام 2021، قبل أن تتجه لاحقاً إلى بناء شراكة عسكرية متقدمة مع إثيوبيا، الخصم التاريخي لإريتريا.

ويرى مايكل ولديماريام، الباحث في جامعة ميريلاند، أن دعم إريتريا يخدم المصالح الأمنية لمصر في مواجهة إثيوبيا، لكنه أشار إلى أن القيود المالية المصرية تجعل من إشراك السعودية عاملاً حاسماً.

وقال: “من مصلحة القاهرة جذب الرياض، التي تمتلك موارد مالية كبيرة، لدعم هذا التوجه”.

من جهتها، أكدت ميريت مبروك، مديرة برنامج مصر في معهد الشرق الأوسط، أن التحركات المصرية تعكس نهجاً “استباقياً” في التعامل مع التحديات الأمنية في البحر الأحمر، معتبرة أن إريتريا تمثل إحدى “الثغرات” التي تسعى القاهرة لسدها في مواجهة التمدد الإماراتي.

وتكتسب هذه التحركات بعداً إضافياً في ضوء ملف سد النهضة الإثيوبي، الذي افتتحته إثيوبيا رسمياً في سبتمبر 2025، وتراه مصر تهديداً مباشراً لأمنها المائي.

كما تفاقمت التوترات بسبب التعاون الأمني الوثيق بين أديس أبابا وأبوظبي في الملف السوداني، حيث تدعم الإمارات، بحسب مصادر متعددة، قوى محلية مناوئة للجيش السوداني.

في المقابل، تشير تقارير إلى أن الإمارات أعادت نشر عناصر كانت تعمل في الصومال إلى إثيوبيا، التي باتت تمثل ركناً أساسياً في استراتيجيتها الإقليمية.

وخلال يناير الماضي، رُصدت طائرات إماراتية، بينها طائرة توصف بأنها الأكبر في العالم للنقل العسكري، في قواعد إثيوبية من بينها مطار هرر ميدا، القاعدة الرئيسية لسلاح الجو الإثيوبي.

ويرى خبراء أن إريتريا، التي تعاني من شح الموارد وتعتمد على الضرائب والتعدين وتحويلات المغتربين، تحتاج إلى دعم مالي كبير لتحديث قدراتها العسكرية، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة، في ظل مخاوفها من التفوق الجوي الإثيوبي. وهو ما يجعل السعودية شريكاً محتملاً لا غنى عنه.

ورغم الزخم الدبلوماسي، يشير مراقبون إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا التقارب إلى ترتيبات أمنية واضحة المعالم وقابلة للتنفيذ.

فالسعودية، المنشغلة بأولويات اقتصادية داخلية، تبدي حذراً في تقديم التزامات طويلة الأمد، ما يترك التحالف الناشئ بين القاهرة وأسمرة والرياض في إطار غير رسمي حتى الآن، وسط سباق نفوذ إقليمي يتسارع على ضفاف البحر الأحمر.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.