في مشهدٍ يلخص فوضى الحرب الأهلية المتواصلة في السودان، شهد حي صالحة بمدينة أم درمان واحدة من أكثر الفظائع دموية منذ بدء القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. ففي صباح يوم 27 أبريل، قُتل ما لا يقل عن 31 مدنيًا، بينهم رجال وشباب، وأُخِذ آخرون لا يُعرف مصيرهم حتى اليوم، في مذبحة ارتكبتها عناصر من قوات الدعم السريع، بحسب تحقيق موسّع أجرته صحيفة واشنطن بوست استنادًا إلى شهادات ناجين، وأدلة ميدانية، ومقاطع فيديو تم التحقق منها.
القصة بدأت عندما قررت مجموعة من سكان حي صالحة، الواقع على الضفة المقابلة من نهر النيل للعاصمة الخرطوم، مغادرة الحي المحاصر بسبب المعارك ونقص المواد الأساسية. جمعت العائلات أموالها ودبرت قافلة على أمل الفرار من الجوع والموت، لكنهم سرعان ما وقعوا ضحية لنقطة تفتيش تابعة لقوات الدعم السريع.
تحت تهديد السلاح والمخدرات
بحسب شهادات الناجين، كان مقاتلو الدعم السريع عند الحاجز المسلحين تحت تأثير المخدرات، وسرعان ما بدأوا بتهديد الركاب بإحراق الشاحنات بما فيها من نساء وأطفال. وتقول أمل إسماعيل، إحدى الناجيات: “رأينا أزواجنا وأشقاءنا يُضربون أمام أعيننا، ثم بدأوا بإطلاق النار”. وتضيف أن مسلحًا واحدًا فقط حاول منع المجزرة، قائلاً: “أنا أب، ولا أستطيع أن أرى هذا يحدث”، لكن صوته ضاع وسط فوضى الرصاص والهتاف: “اقتلوا! لا تساوموا!”.
وسرعان ما تم فصل الرجال عن النساء. وأظهرت مقاطع الفيديو مقاتلين يسخرون من الرجال ويطالبون بقتلهم، فيما كانت النساء يتعرضن للتفتيش ونهب أموالهن والبحث في هواتفهن عن حسابات إلكترونية.
قال جمعة محمد إسماعيل، أحد سكان الحي، إن القتلة لم يكونوا من المقاتلين المعروفين محليًا بل وافدين جدد، كثير منهم من خارج السودان، وقد امتلأت الأسواق بالحبوب المخدرة التي كانوا يتعاطونها أمام الناس.
“قتلوا جماعتكم”
قال سراج علي، وهو أحد الناجين، إنه بعد اعتقاله نُقل إلى سجن تابع لقوات الدعم السريع، وهناك سمع وابلًا من الرصاص، تبعه قول الحراس: “لقد قتلنا جماعتكم”. ويُظهر فيديو تأكدت الصحيفة من صحته جثث 19 رجلًا مكدسين فوق بعضهم، فيما يظهر قائد في قوات الدعم السريع يصوّر نفسه أمام الجثث قائلًا: “أنا من أعطى الإذن بقتل هؤلاء”. في فيديو لاحق نشره على تيك توك، قال القائد الذي عرّف نفسه باسم “جار النبي عبد الله”: “الذين قالوا إن القتل لم يكن من قوات الدعم السريع — أنا من الدعم السريع… من لديه أي مشكلة، فليأت إليّ”.
ورغم محاولات نفي أولية من مسؤولين في قوات الدعم السريع، إلا أن الفيديوهات، والشهادات، والوثائق التي بحوزة العائلات، فضحت ما حدث. ولم تُقدَّم أي أدلة على مزاعم أن القافلة كانت تهرب أسلحة، كما قال القائد.
البؤس والدمار والمخدرات
المذبحة في صالحة ليست حادثًا معزولًا، بل تأتي ضمن نمط يتصاعد مع تراجع السيطرة المركزية على قوات الدعم السريع، وتزايد الاعتماد على مقاتلين غير مدربين ويفتقرون للانضباط، وغالبًا ما يكونون تحت تأثير المخدرات.
صحفيون زاروا مصنعًا للكبتاغون استعاده الجيش لاحقًا في منطقة أخرى، حيث كان المقاتلون ينتجون آلاف الحبوب في الساعة. ومع تمدد هذه الممارسات، يختلط الانهيار الأمني بالتطرف والعنف والفساد، لتصبح الحرب في السودان حربًا ضد المدنيين أنفسهم.
“لن ينسى التاريخ ما حدث”
علي، أحد قادة القافلة، قال إنه فقد 16 من أفراد أسرته في ذلك اليوم، بينهم أطفال. وعاد بعد أسابيع إلى موقع المجزرة، بعد أن استعاد الجيش السيطرة على المنطقة، ليجد القمصان الصغيرة متناثرة، والجثث لا تزال في الشوارع، وقال: “هذا القميص لابن ابن عمي أحمد. كان عمره 7 سنوات… الحمد لله، نجا”.
لكن كثيرين لم ينجوا، ولا يزال مصير عشرات من المفقودين مجهولًا في بلد فقد فيه القانون سلطته، والعدالة معناها.
وتبقى صالحة، مثل عشرات المدن والقرى السودانية، شاهدة على مجازر يُراد لها أن تُنسى — لكنها، كما قال القاتل نفسه في الفيديو: “لن تُنسى”.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72011