كشف رئيس اللجنة السورية للمفقودين، محمد رضا جلخي، عن تقديرات صادمة تشير إلى أن ما بين 120 ألفًا و300 ألف شخص قد فُقدوا في سوريا منذ عام 1970، أي منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة وحتى سقوط نظام ابنه بشار الأسد أواخر العام الماضي.
وأكد جلخي في حديث لوكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن العدد “قد يكون أكبر من ذلك”، مشيرًا إلى أن التحقيقات الميدانية والمراجعات الأولية أظهرت خريطة تضم أكثر من 63 مقبرة جماعية موثقة في أنحاء متفرقة من البلاد.
ومنذ بداية حكم عائلة الأسد قبل أكثر من خمسة عقود، ارتبط اسم النظام بممارسات الإخفاء القسري والاعتقالات التعسفية. فمنذ مجازر حماة 1982 وحتى الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2011، راكمت أجهزة الأمن السورية سجلًا مظلمًا في هذا المجال.
ويُعتبر سجن صيدنايا رمزًا لهذه السياسة، حيث عُرف بكونه أحد أكثر مراكز الاعتقال سرية وقسوة في المنطقة. آلاف المعتقلين دخلوا أبوابه ولم يخرجوا منها أبدًا، في ظل نظامٍ اعتمد الإخفاء كأداة لإسكات المعارضين وإرهاب المجتمع.
الحرب الأهلية: تضاعف الفقدان
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 وقمعها بعنف دموي من قبل بشار الأسد، اتسع نطاق الاختفاء القسري بشكل غير مسبوق. عشرات الآلاف من السوريين اعتُقلوا أو اختفوا خلال سنوات الحرب، سواء في معتقلات النظام أو على يد فصائل مسلحة أخرى.
ورغم أن جميع الأطراف في الحرب السورية وُجهت لها اتهامات بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين، فإن النظام السابق يبقى المسؤول الأكبر عن ممارسات الاعتقال والإخفاء المنهجي، التي استمرت حتى سقوطه في ديسمبر/كانون الأول الماضي على يد هجوم خاطف قادته هيئة تحرير الشام.
ومع سقوط النظام، أعلنت الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع التزامها بمحاسبة المسؤولين عن الفظائع التي ارتُكبت في العقود الماضية. وتعهدت بالعمل على تحقيق العدالة الانتقالية وكشف مصير المفقودين.
وقال جلخي إن عمل اللجنة السورية للمفقودين سيكون “محوريًا في مسار العدالة والسلم الأهلي”، معتبرًا قضية المفقودين “واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وألمًا في سوريا”.
مقابر جماعية وبنك بيانات
اللجنة، التي شُكلت في مايو/أيار الماضي، أعلنت أنها بصدد إنشاء بنك بيانات وطني للمفقودين، يجمع الشهادات والوثائق وعينات الحمض النووي من ذوي الضحايا. وتهدف الخطوة إلى تسهيل عمليات الكشف عن الهوية لاحقًا عند فتح المقابر الجماعية.
وأوضح جلخي أن لدى اللجنة خريطة تضم أكثر من 63 مقبرة جماعية، لكن دون الإفصاح عن مواقعها أو الجهة التي حفرتها. وأشار إلى أن فرق الطب الشرعي ستبدأ قريبًا العمل على استخراج الرفات وتوثيقها، بمساعدة خبراء محليين ودوليين.
وضمن الجهود المبذولة، أعلنت اللجنة عن مؤتمر وطني سيُعقد قريبًا لمناقشة احتياجات وحقوق عائلات المفقودين، بمشاركة منظمات سورية ودولية. كما حصل عدد من الكوادر الطبية والحقوقية السورية على منح دراسية أوروبية في مجالات الطب الشرعي والتوثيق.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوات تمثل بداية متأخرة لكن مهمة في مواجهة واحدة من أكثر صفحات الصراع السوري قتامة، حيث يقدر أن عشرات الآلاف من العائلات ما زالت تبحث عن أي خبر يطمئنها بشأن ذويها المفقودين.
قضية لا تنتهي بسهولة
على الرغم من التفاؤل النسبي الذي تبثه الحكومة الجديدة ولجنة المفقودين، فإن حجم الكارثة يجعل مهمة إغلاق هذا الملف شبه مستحيلة على المدى القصير. إذ إن عشرات السنين من الإخفاء القسري، وتعدد الجهات المتورطة، وانتشار المقابر الجماعية كلها عوامل تزيد من صعوبة الوصول إلى الحقيقة والعدالة.
ويرى خبراء العدالة الانتقالية أن “إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع” لن تكتمل دون تقديم أجوبة واضحة لأسر المفقودين، والكشف عن المسؤولين الحقيقيين عن هذه الجرائم.
وبعد نصف قرن من حكم عائلة الأسد، تكشفت مأساة إنسانية هائلة في سوريا، إذ يظل أكثر من 300 ألف شخص مجهولي المصير، بينهم أجيال من المعتقلين والمختفين. واليوم، تقف البلاد أمام أحد أعقد الملفات في تاريخها: ملف المفقودين والمقابر الجماعية.
وبينما تبدي الحكومة الجديدة وعودًا بالعدالة وكشف الحقائق، فإن الطريق لا يزال طويلًا ووعرًا. فالقضية ليست مجرد أرقام، بل جروح مفتوحة في جسد المجتمع السوري، لن تلتئم إلا حين يعرف الأهالي أين اختفى أحباؤهم، ومن كان وراء اختفائهم.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72409