في تحوّل استراتيجي لافت، أكدت تقارير متطابقة أن الإمارات أنهت عمليًا وجودها العسكري والسياسي المباشر في اليمن مع نهاية عام 2025، منهية بذلك أحد أكثر مشاريعها الإقليمية إثارة للجدل.
فبحلول أوائل يناير/كانون الثاني 2026، تحوّلت المؤشرات الميدانية على الانسحاب إلى وقائع مؤكدة، مع تفكيك قواعد ونقاط نفوذ، وسحب مستشارين وضباط، وترك وكلاء محليين يواجهون مصيرهم في مشهد يعكس نهاية مرحلة كاملة من التدخل الإماراتي في البلاد.
ووفق تحليل نشره موقع ذا كاردل، فإن هذا الانسحاب لا يُعد إعادة تموضع تكتيكيًا، بل خروجًا استراتيجيًا كاملًا بعد استنفاد المشروع الإماراتي لأهدافه وفقدانه مقومات الاستمرار.
فقد انهار المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي شكّل لسنوات الذراع الأهم لأبوظبي في جنوب اليمن، تحت ضغط صراعات قبلية داخلية، وتوسع النفوذ السعودي في محافظتي حضرموت والمهرة، حيث أعادت الرياض فرض سيطرتها الأمنية على مناطق استراتيجية من دون مواجهة مباشرة تُذكر.
وأدى إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي عن “دولة الجنوب” إلى نتائج عكسية، إذ وفّر ذريعة لمزيد من الضغط السعودي، وأغلق أي أفق لحكم ذاتي مستقر بدعم إماراتي.
ومع استعادة القوات المدعومة من الرياض مواقع رئيسية في المكلا وأجزاء واسعة من حضرموت، انتقل التنافس بين الحليفين من مستوى خفي إلى إزاحة مباشرة، ما كشف هشاشة الرهان الإماراتي على الوكلاء المحليين.
وتزامن هذا التراجع مع تصاعد التدقيق الدولي في أمن البحر الأحمر وباب المندب، حيث تحوّل الممر البحري إلى ساحة صراع دولي مفتوح.
وارتفعت كلفة الانخراط غير المباشر، مع ربط الدور الإماراتي في اليمن بمعادلات أمنية وبحرية أوسع، ما جعل البقاء في المشهد عبئًا سياسيًا وأمنيًا لا عائدًا استراتيجيًا. وبحسب ذا كاردل، فضّلت أبوظبي الخروج بهدوء لتفادي مزيد من الاستنزاف والإحراج الدبلوماسي.
تحول البوصلة نحو أفريقيا
بالتوازي مع الانسحاب من اليمن، أعادت الإمارات توجيه نفوذها بشكل منهجي نحو أفريقيا، في مسار لم يبدأ مع نهاية 2025، لكنه تسارع بشكل ملحوظ وهذا التحول بُني على الاستثمار والمساعدات والبنية التحتية بوصفها أدوات نفوذ بديلة.
ففي يناير/كانون الثاني 2026، وقّعت وكالة الإمارات الدولية للمساعدات اتفاقًا مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بقيمة 15 مليون دولار لدعم الاستجابة الإنسانية في السودان، رغم استمرار اتهامات لأبوظبي بالتورط غير المباشر في تعقيدات الصراع هناك.
كما أرسلت مساعدات طبية عاجلة إلى بوتسوانا عقب إعلانها حالة طوارئ صحية في 2025.
وعلى المستوى الاستثماري، أعلنت أبوظبي خلال قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عن مبادرة بقيمة مليار دولار بعنوان “الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية”، تستهدف قطاعات الصحة والتعليم والزراعة والبنية الرقمية في أفريقيا.
إلى جانب ذلك أبرمت شراكة بقيمة 40 مليون دولار مع مؤسسة بيل وميليندا غيتس لنشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم بأفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب التزام بنحو 500 مليون دولار لتحسين صحة الأمهات وحديثي الولادة عبر تحالف مؤسسات خيرية إماراتية.
الموانئ بدل الميليشيات
يبرز عنصر الموانئ كركيزة أساسية في الاستراتيجية الإماراتية الجديدة. فقد عززت أبوظبي نفوذها عبر امتيازات طويلة الأمد لموانئ أفريقية تشكّل نقاط اختناق تجارية وجيوسياسية.
ففي أنغولا، بدأت مجموعة موانئ أبوظبي تشغيل ميناء بعقد يمتد 20 عامًا، بينما يجري تطوير ميناء بوانت نوار في الكونغو-برازافيل بعقد 30 عامًا.
وفي تنزانيا، تخضع دار السلام لتحديث واسع باستثمارات إماراتية متوقعة تصل إلى مليار دولار.
أما في القرن الأفريقي، فتمتد شبكة النفوذ من بربرة في أرض الصومال إلى جيبوتي وإريتريا، عبر شراكات لوجستية تؤمّن للإمارات حضورًا فعليًا على مداخل البحر الأحمر.
وفي غرب أفريقيا، تقود موانئ دبي العالمية مشروع ميناء نديان في السنغال، وتوسّع حضورها في غينيا وموريتانيا.
غير أن هذا التوسع لم يخلُ من مقاومة، إذ أعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية في 12 يناير/كانون الثاني 2026 إلغاء جميع الاتفاقيات مع الإمارات، متهمة أبوظبي بتقويض السيادة الوطنية.
لكن الردود المتباينة من أقاليم بونتلاند وجوبالاند وأرض الصومال كشفت عمق الانقسام الداخلي، وحدود قدرة مقديشو على فرض قرارها.
نموذجان للنفوذ ورسالة سياسية
يكشف انسحاب الإمارات من اليمن مقابل تمددها في أفريقيا عن انتقال واضح من نموذج حروب الوكالة إلى نموذج النفوذ المالي واللوجستي. ففي اليمن، سقط رهان الميليشيات تحت ضغط التنافس الإقليمي والهشاشة المحلية.
أما في أفريقيا، فتعتمد أبوظبي على رأس المال والبنية التحتية لبناء نفوذ أقل صدامية وأكثر قبولًا دوليًا.
وبحسب ذا كاردل، تحمل هذه الخطوة رسالة مزدوجة: إقليميًا، تؤكد أن الإمارات لم تعد مستعدة لدفع كلفة المستنقع اليمني، وتترك للسعودية إعادة ترتيب المشهد هناك.
ودوليًا، تسعى أبوظبي إلى إعادة تقديم نفسها كشريك تنموي، لا لاعبًا في زعزعة الاستقرار، مستفيدة من فراغات استراتيجية في القارة الأفريقية.
وبينما تتزاحم قوى دولية كالصين وتركيا وروسيا على أفريقيا، تراهن الإمارات على سرعتها وقدرتها على دمج رأس المال مع السياسة. وما بات واضحًا أن اليمن لم يعد ساحة نفوذ إماراتية، فيما أصبحت أفريقيا الركيزة الجديدة لموقع أبوظبي العالمي.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73719