في خطوة غير مسبوقة على مستوى دول الخليج، أصدرت سلطنة عُمان مرسومًا سلطانيًا يوم الأحد يقر فرض ضريبة دخل شخصية بنسبة 5% على الأفراد الذين تتجاوز دخولهم السنوية 42 ألف ريال عماني (ما يعادل نحو 109 آلاف دولار أميركي)، بدءًا من عام 2028.
وتُعدّ هذه الخطوة سابقة إقليمية، كونها أول ضريبة دخل شخصية يتم فرضها في منطقة مجلس التعاون الخليجي.
وبحسب ما أعلنت الهيئة العامة للضرائب، فإن القانون الجديد ينسجم مع “الظروف الاقتصادية والاجتماعية” لعُمان، ويهدف إلى تقليص الاعتماد المفرط على إيرادات النفط، بما يتماشى مع أهداف “رؤية عُمان 2040” في تنويع مصادر الدخل.
وأكدت الهيئة أن فرض الضريبة جاء بعد دراسة اقتصادية واجتماعية معمّقة، استندت إلى بيانات الدخل المجمعة من مؤسسات حكومية عدة، وخلصت إلى أن نحو 99% من السكان لن يخضعوا للضريبة، ما يعكس حرص السلطنة على التخفيف من الأعباء على المواطنين ذوي الدخل المحدود والمتوسط.
إشارة إلى نضوج اقتصادي
يرى خبراء اقتصاديون أن فرض هذه الضريبة يعكس دخول السلطنة في مرحلة جديدة من النضج المالي، بما يعزز من استقرارها على المدى البعيد.
واعتبر ديفيد دالي، الشريك في مجموعة الخليج للمحاسبة الضريبية، أن “فرض ضريبة الدخل يبعث بإشارة واضحة إلى أن عُمان بلغت مرحلة من النضوج الاقتصادي الذي يسمح بتطبيق سياسات مالية مستدامة، مع الحفاظ على جاذبيتها للمحترفين الدوليين بسبب انخفاض نسبة الضريبة”.
وكانت السلطنة قد ألمحت لأول مرة إلى نيتها فرض ضريبة على الدخل في نشرة سندات أصدرتها وزارة المالية عام 2020، حينما جمعت عُمان تمويلاً خارجيًا بقيمة 2 مليار دولار. وآنذاك، تحدثت التقديرات عن معدلات ضريبية تتراوح بين 5% و9% للأجانب، مقابل نسبة ثابتة قدرها 5% للمواطنين العمانيين.
حوافز اجتماعية وإعفاءات
لا يقتصر القانون الجديد على تحديد العتبة الضريبية والنسبة المئوية، بل يتضمن أيضًا مجموعة من الإعفاءات والخصومات التي تراعي السياق الاجتماعي المحلي. وتشمل هذه الإعفاءات نفقات التعليم، والرعاية الصحية، والزكاة، والميراث، والتبرعات، والسكن الأساسي، ما يعزز الطابع العادل للقانون ويقلل من أثره على معيشة الفئات المتوسطة.
وتسعى عُمان منذ سنوات إلى تنويع اقتصادها بعيدًا عن النفط والغاز، واللذَين لا يزالان يشكلان نحو 70% من إيرادات الدولة.
وتُركّز الحكومة في استراتيجيتها الجديدة على تنمية قطاعات السياحة، والزراعة، والتصنيع، والخدمات، في محاولة لتقليص الاعتماد على الهيدروكربونات بنسبة 15% بحلول 2030، و18% بحلول 2040.
وبحسب توقعات صندوق النقد الدولي، فإن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسلطنة سيرتفع بنسبة 1.7% في عام 2024، بعد أن سجل 1.2% في 2023، مدعومًا بالنمو القوي في القطاعات غير النفطية. كما يتوقع الصندوق أن يحقق الاقتصاد العُماني نموًا بنسبة 2.4% في عام 2025، و3.7% في 2026، وهي مؤشرات تبعث على التفاؤل بشأن أثر الإصلاحات الاقتصادية.
إعادة توزيع الثروة وتعزيز الحماية الاجتماعية
قالت الهيئة العامة للضرائب إن الضريبة تهدف إلى أكثر من مجرد زيادة الإيرادات، فهي تشكل أداة لإعادة توزيع الثروة ودعم الميزانية العامة، خاصة تمويل برامج الحماية الاجتماعية. وأكدت أن هذه الضريبة ستساهم في تحسين العدالة الاجتماعية دون التأثير الكبير على القدرة الشرائية للأغلبية الساحقة من السكان.
كريمة السعدي، مديرة مشروع ضريبة الدخل الشخصي في الهيئة، أشارت إلى استكمال جميع المتطلبات الفنية والتقنية لتطبيق القانون. وأضافت أن اللائحة التنفيذية للقانون ستصدر خلال عام، وأن الهيئة طورت نظامًا إلكترونيًا حديثًا يضمن الالتزام الطوعي، بالتعاون مع الجهات الحكومية ذات العلاقة، ويتيح التحقق من الإقرارات الضريبية بدقة.
ما الذي قد يتبعها في الخليج؟
يثير هذا القرار تساؤلات حول ما إذا كانت دول الخليج الأخرى ستحذو حذو عُمان في فرض ضرائب مماثلة، لا سيما في ظل الضغوط الاقتصادية الناجمة عن تذبذب أسعار النفط، والتزامات الرؤى الاقتصادية الطموحة في السعودية والإمارات والبحرين.
في هذا السياق، قال المحلل المالي محمد أبو باشا من المجموعة المالية هيرميس، إن هذه الخطوة “قد تكون رمزية إلى حد ما من حيث شريحة السكان المتأثرة، لكنها ذات دلالة كبيرة لما تمثّله من سابقة خليجية”.
ومع هذه الخطوة، تسجل سلطنة عُمان سابقة في تاريخ السياسات الضريبية في دول الخليج. وبينما يقتصر تأثير القانون على شريحة صغيرة من ذوي الدخول المرتفعة، إلا أن رمزيته الإصلاحية، وارتباطه بأجندة تنموية واضحة، يعكسان تحولًا في طريقة إدارة الموارد ومفهوماً جديدًا لعقد اجتماعي أكثر عدالة واستدامة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71736