في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل وخارج إسرائيل، أطلق “الائتلاف الإسرائيلي للأمن الإقليمي” – وهو تجمع يضم أكثر من 100 شخصية سياسية وأمنية وأكاديمية بارزة – حملة دعائية ضخمة في قلب مدينة تل أبيب للترويج للتطبيع العربي الإسرائيلي.
وتعرض الحملة ملصقات ولافتات رقمية تُظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتوسط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزعماء الدول العربية الموقعة على “اتفاقيات أبراهام”، إلى جانب صور قادة عرب يُتوقّع منهم الانضمام قريبًا إلى ركب التطبيع.
وتضمنت الحملة، التي نُشرت على لوحات رقمية عملاقة في ميادين تل أبيب وشوارعها الحيوية، صورًا لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وسلطان عمان هيثم بن طارق، والرئيس السوري أحمد الشرع، إلى جانب قادة الإمارات والبحرين والمغرب ومصر والأردن، مع كتابة “المستقبل يبدأ هنا” أسفل الصورة، وظهور خريطة للمنطقة بدون حدود تفصل بين إسرائيل والدول العربية.
ويقول القائمون على الحملة إن الهدف منها هو “تهيئة الرأي العام الإسرائيلي والعربي على حد سواء لقبول موجة جديدة من التطبيع الرسمي، قد يتم الإعلان عنها في وقت قريب”، حسب تعبير يوآف ويتكوف، المتحدث باسم الائتلاف.
وصرح ويتكوف لإذاعة الجيش الإسرائيلي: “نعتقد أننا سنُصدر خلال الأسابيع المقبلة إعلانات كبرى بشأن دول ستنضم إلى اتفاقيات أبراهام، وهذه الحملة هي تمهيد رمزي لذلك”.
محمد بن سلمان في صورة التطبيع
رغم أن السعودية لم توقع رسميًا على أي اتفاق تطبيع مع إسرائيل حتى الآن، إلا أن وضع صورة ولي العهد السعودي في مركز الإعلان فُسّر على نطاق واسع بأنه محاولة إسرائيلية لدفع الأمور نحو العلنية، وفرض أمر واقع إعلامي وسياسي.
ويقول محللون إن هذا الظهور العلني لمحمد بن سلمان في إعلان رسمي داخل تل أبيب ينسجم مع سلسلة من المؤشرات غير المباشرة التي تؤكد التقارب المستمر بين الرياض وتل أبيب، من بينها التعاون الأمني غير المعلن، وزيارات مسؤولين، وتصريحات أمريكية متعددة حول قرب توقيع “اتفاق تطبيع شامل” بوساطة واشنطن.
تسويق “الأمن الإقليمي” على حساب فلسطين
ويُعد “الائتلاف الإسرائيلي للأمن الإقليمي” أحد أبرز المنصات الفكرية التي تدعو إلى صياغة أمن شرق أوسطي جديد قائم على التحالف مع الأنظمة العربية ضد التهديدات المشتركة، وعلى رأسها إيران، مع تهميش القضية الفلسطينية وتحويلها إلى ملف هامشي.
وتعكس الحملة الجديدة محاولة لتصوير تطبيع العلاقات مع الدول العربية كـ”ضرورة إستراتيجية” لحماية الاستقرار في المنطقة، وليس كتنازل سياسي أو خيار سيادي للدول.
ويقول ويتكوف: “الواقع يفرض نفسه. الدول العربية المعتدلة تدرك أن إسرائيل شريك موثوق في مواجهة التحديات، من النووي الإيراني إلى الإرهاب العابر للحدود”.
غضب فلسطيني وتحذيرات من “خيانة جديدة”
في المقابل، قوبلت الحملة بغضب واسع في الأوساط الفلسطينية، حيث اعتبر مسؤولون في الفصائل الفلسطينية أن هذا النوع من الإعلانات هو بمثابة “خيانة سياسية وإعلامية جديدة”، ومحاولة إسرائيلية لشرعنة التطبيع وفرضه كخيار وحيد أمام الشعوب العربية.
وقال مسؤول في حركة فتح لوكالة “وفا”: “استخدام صور قادة عرب في حملة إسرائيلية دعائية هو خطوة استفزازية تهدف إلى تقويض الحقوق الفلسطينية، والتغطية على جرائم الاحتلال في غزة والضفة والقدس”.
أما حركة حماس، فقد اعتبرت أن الحملة “تكشف زيف الرواية الإسرائيلية بأن التطبيع يجلب السلام”، مؤكدة أن “أي دولة تلتحق بهذه الاتفاقيات تكون شريكة في دعم الاحتلال، وتنكّرًا لنضال الشعب الفلسطيني”.
ترويج “أبراهام 2”
ويأتي الإعلان في وقت تتكثف فيه المؤشرات على تحركات أمريكية وإسرائيلية لإحياء مشروع “أبراهام 2.0″، مع إدارة بايدن وتحالفات اليمين الإسرائيلي، رغم الحرب المستمرة في غزة والتوتر الإقليمي غير المسبوق.
وكانت صحيفة هآرتس قد كشفت مؤخرًا عن زيارات سرية أجراها وفد إسرائيلي أمني إلى السعودية وسلطنة عمان، ولقاءات مع مسؤولين مقربين من دوائر القرار في بيروت ودمشق، ضمن خطة لإقناعهم بمسار جديد “للتكامل الإقليمي”.
من الناحية البصرية، لاقت الحملة اهتمامًا كبيرًا داخل إسرائيل، إذ التُقطت صور للإعلان في قلب ميدان رابين، حيث تجمّع مئات المارة لالتقاط صور سيلفي مع اللوحة الإعلانية التي يظهر فيها محمد بن سلمان، وهو ما وُصف بأنه “مشهد رمزي لانقلاب سياسي هائل في المفاهيم”، حسب ما كتب أحد معلقي يديعوت أحرونوت.
لكن حتى اللحظة، لا يوجد أي تأكيد رسمي سعودي على وجود مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، باستثناء تصريحات سابقة من وزير الخارجية السعودي تفيد بأن التطبيع لن يتم دون تقدم “جوهري” في ملف القضية الفلسطينية.
وفي ظل هذا التصعيد الدعائي الإسرائيلي، يبدو أن المنطقة تتجه نحو واقع سياسي جديد، تسعى فيه إسرائيل، بدعم أمريكي واضح، إلى تجاوز العقبة الفلسطينية، وتحقيق تطبيع إقليمي واسع النطاق، بينما تتزايد الأسئلة حول ثمن هذا المسار، وتداعياته على وحدة الشعوب العربية، وأمنها، وقضية فلسطين.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71766