تشهد منطقة الشرق الأوسط تحركات عسكرية أميركية هي الأوسع منذ غزو العراق عام 2003، في مؤشر واضح على أن واشنطن ترفع منسوب الضغط إلى أقصى حد على إيران، مع إبقاء خيار الحرب الجوية المفتوحة إلى جانب المسار الدبلوماسي المتعثر.
ووفق ما أوردته «وول ستريت جورنال» الأمريكية، كثّفت الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية نقل مقاتلات شبحية متطورة من طرازي «إف-35» و«إف-22» إلى قواعد في الشرق الأوسط، بالتوازي مع تحريك حاملة طائرات ثانية محمّلة بطائرات هجومية وقدرات للحرب الإلكترونية.
وبحسب الصحيفة شمل الحشد الأمريكي نشر طائرات القيادة والسيطرة الضرورية لإدارة عمليات جوية واسعة النطاق، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي برية وُصفت بالحيوية.
ويمنح هذا الانتشار، بحسب مسؤولين أميركيين، إدارة الرئيس دونالد ترامب القدرة على تنفيذ حملة جوية مستمرة قد تمتد لأسابيع، بدل الاكتفاء بضربة محدودة وسريعة على غرار العملية التي نفذتها واشنطن في يونيو الماضي ضد مواقع نووية إيرانية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تجرى فيه محادثات غير مستقرة بين الولايات المتحدة وإيران حول برنامج تخصيب اليورانيوم. فقد اجتمع ممثلون من الطرفين في جنيف هذا الأسبوع، وسط اعتراف البيت الأبيض بأن التقدم كان محدودًا.
وأكدت المتحدثة باسم الرئاسة الأميركية أن الخلافات الجوهرية لا تزال قائمة، مشيرة إلى انتظار مقترح إيراني أكثر تفصيلًا خلال الأسابيع المقبلة.
في موازاة ذلك، تلقى ترامب سلسلة إحاطات عسكرية تناولت خيارات متعددة للتعامل مع طهران في حال فشل المسار التفاوضي.
ووفق مصادر أميركية، تتراوح هذه الخيارات بين حملة جوية مركزة تستهدف منشآت نووية وقواعد للصواريخ الباليستية، وصولًا إلى عمليات أوسع قد تشمل تصفية عشرات القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين بهدف إضعاف النظام أو إسقاطه.
وفي الحالتين، لا يُتوقع أن تكون العملية خاطفة، بل طويلة ومكلفة سياسيًا وأمنيًا.
ورغم تلميحات ترامب المتكررة إلى تفضيله اتفاقًا دبلوماسيًا “كاملًا” يؤدي إلى وقف تخصيب اليورانيوم وتفكيك الصواريخ الباليستية وإنهاء نفوذ الوكلاء الإقليميين، فإن مراقبين يرون أن هذه الشروط تتجاوز ما يمكن لطهران قبوله.
فإيران، التي تفتقر إلى قوة جوية متقدمة، تعتبر برنامجها الصاروخي ركيزة أساسية لردع خصومها، ما يجعل التخلي عنه أمرًا بالغ الصعوبة.
في المقابل، يضغط بعض مستشاري ترامب وحلفاء واشنطن الإقليميين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، باتجاه استثمار هذا الحشد العسكري لانتزاع تنازلات أوسع من إيران، خصوصًا في ملف الصواريخ الباليستية. وترى إسرائيل أن أي تسوية لا تعالج هذا الملف ستبقي التهديد قائمًا.
ولا تتركز كل القدرات الأميركية في الشرق الأوسط نفسه. فقاذفات «بي-2» الشبحية بعيدة المدى، القادرة على اختراق الدفاعات الجوية، تستطيع تنفيذ ضربات مباشرة انطلاقًا من الولايات المتحدة أو من قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، وهي منشأة استراتيجية مشتركة مع بريطانيا.
وقد لمح ترامب علنًا إلى إمكانية استخدام هذه القاعدة، إضافة إلى قاعدة فيرفورد الجوية في بريطانيا، إذا لم تتوصل المفاوضات إلى نتيجة.
ورغم التفوق العسكري الأميركي الواضح، لا يخلو أي سيناريو تصعيدي من المخاطر. فإيران ما زالت تمتلك ترسانة صاروخية كبيرة يمكن توجيهها ضد القواعد الأميركية وحلفائها، فضلًا عن قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
كما يحذر خبراء من أن حملة جوية مطولة قد تفتح الباب أمام ردود فعل إقليمية غير محسوبة.
ويرى بعض الضباط الأميركيين السابقين في هذا الحشد وسيلة ضغط نفسية أكثر منه تمهيدًا حتميًا للحرب.
ويذهب هؤلاء إلى أن استعراض القوة قد يدفع القيادة الإيرانية إلى تقديم تنازلات لتفادي مواجهة مدمرة.
غير أن تشاؤمًا متزايدًا يسود أوساط دبلوماسية غربية حيال استعداد طهران لتجاوز الخطوط الحمراء الأميركية، إذ يُعتقد أنها قد تكتفي بتعليق مؤقت للتخصيب بانتظار تغير المعادلة السياسية في واشنطن.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74098