
دبي – تتصاعد وتيرة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، حيث لم تعد التهديدات العسكرية مجرد أوراق ضغط تفاوضية، بل أصبحت مرتبطة بتطورات ميدانية وسياسية سريعة تعيد المنطقة إلى أجواء المواجهة المحتملة. واشنطن تلمح إلى استكمال ضرباتها ضد المنشآت النووية المتبقية، بينما ترفع طهران مستوى جاهزيتها العسكرية، في وقت تدفع فيه إسرائيل الإدارة الأمريكية نحو حسم خيار المواجهة قبل أن تتحول المهلة الدبلوماسية إلى فرصة لإيران لترميم قدراتها.
تكتسب هذه التطورات أهمية بالغة مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية في الثالث من نوفمبر، وهو الموعد الذي وضعه الرئيس دونالد ترامب عملياً سقفاً زمنياً لتجميد أي تحرك عسكري جديد، دون استبعاد العودة إلى القصف بعد انتهاء التصويت. وأكد ترامب أن المفاوضات تسير بشكل جيد، لكنه هدد باستهداف موقعين نوويين لا تزال واشنطن تراهما بحاجة للمعالجة، مشيراً إلى «جبل الفأس» وقدرته على ضربه بسرعة.
في المقابل، أضاف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي غموضاً للمشهد التفاوضي، إذ يرفض الطرف الإيراني إخضاع البرنامج النووي للشروط الأمريكية ويتهم واشنطن بفرض شروط أحادية. ورغم تعثر المفاوضات، لم يصدر إعلان رسمي من طهران بإنهاء مسار الوساطة، مما يعكس رغبة إيران في عدم إغلاق باب الحوار تماماً رغم رفضها التنازل عن الملف النووي قبل معالجة العقوبات.
تبرز منشأة «جبل الفأس» كهدف محتمل رئيسي لأي جولة عسكرية جديدة، نظراً لوقوعها على مسافة كيلومترين من مجمع نطنز، واحتوائها على شبكة أنفاق ومنشآت محفورة بعمق داخل كتلة صخرية. وتشير الشبهات الاستخباراتية الغربية إلى احتمال استخدام الموقع لتخزين أجهزة الطرد المركزي أو نقل أجزاء من البرنامج النووي، وهو ما يجعله هدفاً استراتيجياً لم تطاوله الضربات السابقة.
لا يوجد تأكيد مستقل على وجود نشاط تخصيب نووي داخل المنشأة حالياً، حيث تشير صور الأقمار الاصطناعية إلى استمرار أعمال البناء والتحصين فقط. السيناريو العسكري المطروح يتضمن استخدام قاذفات استراتيجية وقنابل خارقة للتحصينات مثل GBU-57، أو استهداف مداخل الأنفاق بصواريخ كروز بهدف تعطيل المنشأة، لكن الطبيعة الجيولوجية للموقع تجعل تدميرها نهائياً أمراً غير محسوم.
على الجانب الإسرائيلي، رفعت المؤسسة الأمنية والجيش مستوى الجاهزية إلى درجات عليا، مع تكثيف التنسيق الاستخباراتي والعسكري مع واشنطن. وأشارت تقارير إلى تلقي تل أبيب إنذاراً مسبقاً من الإدارة الأمريكية في حال اتخاذ قرار بهجوم جديد، وهي إجراءات احترازية لا تعني بالضرورة صدور قرار نهائي بالهجوم حتى الآن.
أثارت المكالمة الهاتفية بين ترامب ونتنياهو السبت الماضي جدلاً حول التوقيت المثالي للهجوم، حيث كشف مصدران أمريكي وإسرائيلي أن نتنياهو يضغط لتوجيه ضربة بعد الانتخابات مباشرة، بينما يفضل ترامب منح المسار التفاوضي فرصة إضافية. هذا التباين في التوقيت لا يعني اختلافاً جذرياً في الأهداف الاستراتيجية للطرفين، بل يعكس اختلافاً في الأولويات السياسية.
تتعدد السيناريوهات المطروحة أمام واشنطن، بدءاً بضربة محدودة وسريعة تستهدف جبل الفأس لمنح طهران فرصة العودة للمفاوضات بشروط أكثر تشدداً، مروراً بحملة عسكرية تمتد عدة أيام بمشاركة أمريكية وإسرائيلية تستهدف المنشآت النووية والمواقع العسكرية والحرس الثوري، وصولاً إلى استمرار الضغط مع إبقاء باب الوساطة مفتوحاً.
تشير تقارير وكالة أسوشييتد برس إلى طلب واشنطن من حلفائها الإقليميين الاستعداد لاحتمال تجدد الضربات بعد الانتخابات والتحسب لردود إيرانية قد تستهدف منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية. ولم يتخذ ترامب قراراً نهائياً بالهجوم وفق المصادر التي نقلت عنها الوكالة، مما يترك المشهد في حالة من الانتظار الحذر.
المعضلة الحقيقية لا تكمن في قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ ضربة جديدة، بل في التداعيات المحتملة لها. فقد هددت إيران بأن ردها لن يكون محصوراً بجغرافيا محددة، ما يعرض القواعد الأمريكية والمنشآت الحيوية وممرات الطاقة لخطر تصعيد يصعب احتواء تداعياته الإقليمية والدولية.
بين رغبة نتنياهو في استكمال الحرب، وحسابات ترامب السياسية والعسكرية، ومحاولة طهران تجنب تقديم تنازلات نووية تحت التهديد، تبدو المنطقة أمام أيام مفصلية. المؤشرات السياسية والعسكرية تجعل احتمال استئناف العمليات بعد الانتخابات قائماً بجدية، لكن لا يوجد إعلان عن قرار نهائي بالتنفيذ حتى اللحظة.
ما سيحسم الاتجاه ليس التصريحات الإعلامية وحدها، بل نتيجة الاتصالات السرية الأخيرة، وما إذا كانت الوساطة القطرية ستنجح في انتزاع تفاهم أخير قبل أن تتقدم الخيارات العسكرية على الدبلوماسية. يبقى الوقت عاملاً حاسماً في تحديد مسار الأحداث المقبلة في المنطقة.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار خليج 24.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=77368

