كشف تحقيق عن أن المملكة العربية السعودية اتخذت موقفاً حاسماً برفض المشاركة في الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، ورفضت كذلك السماح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي أو مياهها الإقليمية في أي عمليات عسكرية تستهدف طهران، في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في حسابات الرياض الإقليمية مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.
وأوضح التحقيق، الذي استند إلى معلومات حصل عليها موقع “دارك بوكس” من مصادر دبلوماسية مطلعة، أن القيادة السعودية اختارت ما وصفته بـ”ضبط النفس الاستراتيجي”، رغم الضغوط التي مورست عليها من قبل أطراف إقليمية ودولية للانخراط في الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
وأكدت المصادر أن الرياض أوصلت رسائل واضحة إلى شركائها الدوليين مفادها أن الأراضي السعودية لن تتحول إلى منصة عسكرية أو ممر لوجستي لأي عمليات عسكرية ضد إيران، في إشارة مباشرة إلى رفض الانجرار إلى حرب إقليمية قد تهدد أمن الخليج واستقراره.
وأوضحت المصادر أن الموقف السعودي لم يكن مجرد موقف إعلامي، بل جرى إبلاغه رسمياً عبر قنوات دبلوماسية متعددة، بما في ذلك اتصالات مباشرة مع الولايات المتحدة وشركاء إقليميين.
ووفقاً للتحقيق، شددت القيادة السعودية في تلك الاتصالات على أن أمن المملكة واستقرار المنطقة يجب ألا يكونا رهينة لصراعات عسكرية قد تتحول سريعاً إلى مواجهة واسعة النطاق في الخليج.
ويعكس هذا الموقف تحولات أوسع في السياسة الإقليمية السعودية خلال السنوات الأخيرة، حيث باتت الرياض تميل بشكل متزايد إلى تبني مقاربة تقوم على خفض التصعيد وتجنب الانخراط في مواجهات عسكرية مفتوحة.
واللافت أن الموقف السعودي حظي بإقرار علني من الجانب الإيراني.
فقد أعرب السفير الإيراني لدى الرياض علي رضا عناياتي في تصريحات علنية عن تقدير طهران لما وصفه بالتأكيدات السعودية المتكررة بأن المجال الجوي والمياه والأراضي السعودية لن تُستخدم ضد الجمهورية الإسلامية.
وقال عناياتي إن بلاده تلقت رسائل واضحة من المسؤولين السعوديين تفيد بأن المملكة لن تسمح لأي طرف خارجي باستخدام أراضيها في عمليات عسكرية تستهدف إيران.
وقد أثارت هذه التصريحات اهتماماً واسعاً في الأوساط الدبلوماسية، باعتبارها مؤشراً على نجاح الرسائل السعودية في الوصول إلى طهران.
ويرى محللون أن قرار السعودية بعدم المشاركة في الحرب يعود إلى حسابات استراتيجية معقدة، تتعلق أولاً بحساسية موقع المملكة الجغرافي ومصالحها الحيوية في الخليج.
فأي مواجهة عسكرية واسعة قد تعرض البنية التحتية للطاقة في المنطقة للخطر، بما في ذلك منشآت النفط وخطوط الملاحة البحرية التي تشكل شرياناً أساسياً للاقتصاد العالمي.
كما أن اندلاع حرب إقليمية قد يهدد حركة التجارة الدولية عبر الخليج ويؤثر على أسواق الطاقة والاستثمارات الأجنبية التي تعتمد عليها خطط التحول الاقتصادي في المملكة.
لهذا السبب، يرى مراقبون أن القيادة السعودية فضّلت تجنب الانجرار إلى صراع عسكري قد يقوض أولوياتها الاقتصادية والاستراتيجية على المدى الطويل.
وكشف التحقيق أيضاً عن تباين واضح في مواقف دول الخليج تجاه الحرب.
ففي حين اختارت السعودية نهج التهدئة وضبط النفس، تشير التحليلات إلى أن الإمارات اتخذت موقفاً مختلفاً نسبياً، في ظل تقاربها السياسي والاستراتيجي المتزايد مع إسرائيل خلال السنوات الأخيرة.
ويقول مراقبون إن هذا التباين يعكس اختلافاً في الرؤى حول كيفية التعامل مع إيران ومستقبل الأمن الإقليمي في الخليج.
فبينما تميل بعض الأطراف إلى تعزيز التحالفات العسكرية في مواجهة طهران، ترى دول أخرى أن التصعيد العسكري قد يقود إلى نتائج كارثية على استقرار المنطقة.
ووفقاً لمصادر دبلوماسية تحدثت إلى “دارك بوكس”، فإن الرياض حذرت أيضاً من محاولات توسيع نطاق الحرب لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى.
وترى القيادة السعودية أن أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها وجرّ دول الخليج إلى مواجهة طويلة الأمد لا تخدم مصالحها.
كما تعتقد الرياض أن الحرب الحالية تُدار إلى حد كبير وفق حسابات استراتيجية لقوى خارجية، وهو ما يجعل الانخراط فيها مخاطرة غير محسوبة بالنسبة لدول الخليج.
وتشير هذه التطورات إلى بروز رؤيتين متنافستين لمستقبل الأمن في الخليج.
فمن جهة، هناك أطراف تدفع باتجاه تشكيل تحالف عسكري واسع لمواجهة إيران. ومن جهة أخرى، تتبنى السعودية نهجاً يقوم على تقليل التصعيد وتعزيز المسار الدبلوماسي للحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
ويرى محللون أن قرار الرياض بالبقاء خارج الحرب قد يعكس محاولة لإعادة صياغة دورها الإقليمي، بحيث لا تتحول دول الخليج إلى ساحات صراع تستخدمها القوى الدولية لتصفية حساباتها.
ومع استمرار التصعيد العسكري في المنطقة، يبدو أن السعودية تسعى لترسيخ موقعها ضمن ما تصفه دوائرها الدبلوماسية بـ”معسكر الاستقرار”.
ويعكس هذا التوجه محاولة واضحة لتجنب تكرار سيناريوهات الصراعات الطويلة التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين.
ورغم أن المستقبل لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، فإن موقف الرياض حتى الآن يشير إلى تصميم واضح على مقاومة الضغوط التي قد تدفعها إلى الانخراط في حرب ترى أنها ستعرض الخليج بأكمله لمخاطر جسيمة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74292