بنك مفلس أشعل الغضب الشعبي… كيف فجّر الانهيار المالي شرارة الاحتجاجات في إيران؟

لم يكن اندلاع الاحتجاجات الواسعة في إيران نتاج خطاب معارض أو تحركات سياسية منظمة بقدر ما كان نتيجة الانهيار المالي الصامت الذي انفجر فجأة في وجه الشارع.

فوفق تقرير موسّع لصحيفة وول ستريت جورنال، جاء المؤشر الأوضح على قرب الانهيار من سقوط أحد البنوك المرتبطة بالنظام، في لحظة كشفت عمق الأزمة الاقتصادية التي كانت تتراكم منذ سنوات.

وفي نهاية العام الماضي، انهار بنك «آينده»، أحد المصارف الخاصة التي يديرها مقربون من السلطة، بعد أن تراكمت عليه خسائر قُدّرت بنحو خمسة مليارات دولار نتيجة قروض متعثرة واستثمارات عالية المخاطر.

وسارعت الحكومة إلى دمج البنك في مؤسسة حكومية وطباعة كميات كبيرة من العملة لتغطية الخسائر، في خطوة أخفت الأزمة مؤقتًا لكنها عمّقت جذورها.

وقد تحوّل انهيار البنك إلى رمز لانكشاف النظام المالي الإيراني، الذي أنهكته سنوات من العقوبات، وسوء الإدارة، والاعتماد المفرط على طباعة النقود.

ووفق تقديرات اقتصاديين، فإن ما لا يقل عن خمسة بنوك إيرانية أخرى تقف اليوم على حافة المصير نفسه، في ظل نقص السيولة وتآكل الثقة.

وجاءت الأزمة في توقيت بالغ الحساسية، بعدما خرجت إيران من حرب استمرت 12 يومًا مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو، كشفت هشاشة قدرة النظام على حماية البلاد، وأغلقت عمليًا أي أفق قريب لرفع العقوبات.

ومع تشدد واشنطن في مكافحة غسل الأموال، فقدت طهران أحد أهم مصادر الدولارات عبر البنوك العراقية، ما أدى إلى خنق تدفقات العملة الصعبة.

ودخل الريال الإيراني في دوامة هبوط متسارعة، فقد خلالها نحو 84% من قيمته أمام الدولار خلال عام 2025، فيما قفزت أسعار الغذاء بنسبة سنوية بلغت 72%.

ومع انكماش الأجور، وجد ملايين الإيرانيين أنفسهم عاجزين عن تلبية الاحتياجات الأساسية، بينما خرج مئات التجار – وهم فئة نادرًا ما تشارك في الاحتجاجات – إلى شوارع طهران طلبًا للإغاثة.

وقال عدنان مزاري، نائب المدير السابق لإدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، إن انهيار بنك آينده كشف أن النظام المصرفي الإيراني أصبح أداة لإثراء النخب المرتبطة سياسيًا، مضيفًا أن سقوطه تزامن مع ذروة فقدان شرعية النظام بعد الهجمات الإسرائيلية.

وتأسس بنك آينده عام 2013 على يد رجل الأعمال علي أنصاري، المقرب من دوائر الحكم، والذي فرضت عليه بريطانيا عقوبات بعد أيام من انهيار البنك، واصفة إياه بأنه “مصرفي فاسد” ساهم في تمويل شبكات الحرس الثوري.

وكان البنك قد جذب ملايين المودعين عبر تقديم أعلى معدلات فائدة في السوق، قبل أن يغرق في القروض الرديئة والإقراض الذاتي لمشاريع مملوكة لإدارته، أبرزها مشروع «إيران مول» الفاخر، الذي أصبح رمزًا للفجوة بين النخبة وبقية المجتمع.

وبحسب مسؤولين إيرانيين، فإن أكثر من 90% من موارد البنك كانت مرتبطة بمشاريع داخلية، ما دفع مدير الإشراف البنكي في البنك المركزي إلى وصفه علنًا بأنه “مخطط بونزي”.

ومع تصاعد الضغوط السياسية، أعلن البنك المركزي حل المؤسسة ودمجها قسرًا في بنك «ملّي» الحكومي، متحملًا ديونها على حساب المال العام.

لكن الأزمة تجاوزت بنكًا واحدًا. فبعد إعادة فرض العقوبات الأمريكية عام 2018، اعتمدت البنوك الإيرانية على قروض طارئة من البنك المركزي دون ضمانات، ما أدى إلى تضخم متسارع وضعف العملة.

وبحلول عام 2019، كانت الدولة تسيطر فعليًا على نحو 70% من النظام المصرفي، وفق تحليل مزاري.

وتفاقمت الأوضاع مع هروب رؤوس الأموال، إذ قدّر اقتصاديون خروج ما بين 10 و20 مليار دولار من إيران خلال العام الماضي، مع تحويل المدخرات إلى عملات أجنبية وذهب وأصول رقمية.

وفي الوقت نفسه، زادت الحكومة إنفاقها العسكري وقلّصت الدعم، ما أشعل الغضب الشعبي.

ومع تصاعد الاحتجاجات واتساع رقعتها رغم القمع وانقطاع الإنترنت، خلصت وول ستريت جورنال إلى أن الأزمة الإيرانية لم تعد ظرفية، بل نتيجة تراكم طويل من الاختلالات المالية والضغوط الخارجية، ما يجعل أي تهدئة مؤقتة غير كافية لاحتواء غضب الشارع أو إنقاذ نظام يواجه أخطر اختبار منذ عقود.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.