بلومبيرغ: الرياض تعيد ترتيب بوصلتها الإقليمية وتل أبيب تستبعد مسار التطبيع

تشهد الأوساط السياسية والأمنية في إسرائيل تصاعدًا ملحوظًا في الشكوك حيال إمكانية تطبيع العلاقات مع السعودية في المستقبل القريب، وذلك على خلفية تحولات استراتيجية عميقة في سياسات الرياض الإقليمية، ترى فيها تل أبيب مؤشرات ابتعاد متزايد عن مسار التقارب، وربما إعادة رسم دائمة لموازين القوى في المنطقة.

وبحسب ما نقلته بلومبيرغ، ينظر مسؤولون إسرائيليون بقلق إلى ما يعتبرونه تحركات سعودية «عدائية»، تشمل توسيع الشراكات الدفاعية والانخراط في توازنات إقليمية جديدة، لا سيما في ظل تصاعد التوتر بين الرياض والإمارات، الحليف العربي الأوثق لإسرائيل منذ توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020.

وبحسب الوكالة فإن هذا القلق، وإن لم يُعبَّر عنه علنًا بشكل واسع، أكده مقرّب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ودبلوماسي إسرائيلي، تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتيهما لحساسية الملف.

وقبل اندلاع الحرب على غزة، كانت بعض التقديرات في إسرائيل والولايات المتحدة ترى أن التطبيع مع السعودية بات مسألة وقت، غير أن الحرب وما رافقها من تحولات سياسية وميدانية أعادت الملف إلى نقطة أبعد.

فقد وضعت الرياض شرطًا واضحًا يتمثل في قيام دولة فلسطينية مستقلة، بينما تؤكد الحكومة الإسرائيلية الحالية رفضها القاطع لهذا المسار، ما يجعل الخطوط الحمراء للطرفين متعارضة جذريًا.

ويرى عوديد إيلام، الضابط السابق في الاستخبارات الإسرائيلية والباحث في مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية، أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان «انسحب فعليًا من فكرة التطبيع»، معتبرًا أن ما يجري يمثل «نكسة كبيرة لإسرائيل».

ويضيف أن القيادة السعودية تمر بمرحلة إعادة تموضع دقيقة، تحاول فيها قراءة اتجاهات الرياح الإقليمية والدولية.

ومن أبرز ما يثير القلق في تل أبيب، توقيع السعودية تحالفًا دفاعيًا مع باكستان النووية في سبتمبر الماضي، إلى جانب إعلان تركيا عن محادثات للانضمام إلى هذا الإطار.

بالتوازي، ظهرت الخلافات السعودية–الإماراتية إلى العلن أواخر العام الماضي، عندما منحت الرياض القوات الإماراتية مهلة للانسحاب من اليمن، أعقبها تصعيد إعلامي سعودي غير مسبوق ضد أبوظبي، التي تُعد من الدول العربية القليلة التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل.

في المقابل، يرفض محللون سعوديون التفسير الإسرائيلي الذي يربط هذه التحولات مباشرة بإسرائيل. ويؤكد الكاتب والمعلق السعودي علي الشهابي أن جوهر التوتر يعود إلى تضارب الأهداف السعودية والإماراتية في دول هشة مثل اليمن والصومال والسودان، معتبرًا أن الرياض تسعى إلى الاستقرار، بينما ترى أن سياسات أبوظبي — بدعم إسرائيلي — تسهم في تعقيد المشهد.

رسميًا، شددت الحكومة السعودية في بيان على أنها «ما زالت منفتحة على التطبيع مع إسرائيل»، لكنها ربطت ذلك بشكل صريح بضمان مسار جاد يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، محذّرة من أن رفض حل الدولتين «يقوّض هذه الفرصة التاريخية ويُبقي على جذور العنف والمعاناة».

في المقابل، امتنعت الحكومة الإسرائيلية عن التعليق المباشر، فيما اكتفى متحدث إماراتي بالتأكيد على أن سياسة بلاده تقوم على احترام السيادة والتعايش السلمي.

وقد انعكست هذه التباينات في تصريحات نتنياهو الأخيرة، إذ حذّر بشكل غير مباشر من تنامي علاقات الرياض مع أطراف تعتبرها إسرائيل معادية، مؤكدًا أن أي دولة تسعى للتطبيع «يجب ألا تنخرط في جهود تقودها قوى أو أيديولوجيات تنكر شرعية إسرائيل».

ويرى أكاديميون، بينهم أندرياس كريغ من كلية كينغز لندن، أن الموقف السعودي الجديد نتاج تفاعل عوامل متعددة: إحباط من تردد واشنطن في تقديم ضمان دفاعي ملزم، اعتماد سياسة تحوّط عبر باكستان وتركيا، تراجع نسبي في الخطر الإيراني، وضغوط مالية داخلية.

ويخلص كريغ إلى أن «تأجيل التطبيع بات أسهل على الرياض، بينما أصبح تسويقه داخليًا أكثر صعوبة».

ورغم كل ذلك، لا يستبعد بعض المسؤولين الإسرائيليين عودة الملف إلى الواجهة لاحقًا. ويقول آفي ميلاميد، المسؤول الاستخباري السابق، إن التطبيع «لم يُلغَ، لكنه وُضع على الرف».

أما وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين فيراهن على الدور الأميركي، معتبرًا أن إصرار الرئيس دونالد ترامب على توسيع اتفاقيات أبراهام قد يعيد فتح الباب، وإن بدا ذلك اليوم أبعد من أي وقت مضى.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.