برزت باكستان كطرف غير متوقع في جهود خفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، في تطور يعكس محاولة إسلام آباد إعادة تموضعها في المشهد الدولي كوسيط دبلوماسي فاعل.
وعرضت باكستان استضافة محادثات مباشرة بين إدارة دونالد ترامب والقيادة الإيرانية، في خطوة لفتت انتباه المراقبين، وقد تمثل في حال تحققها تحولًا في دور البلاد من دولة تعاني أزمات داخلية إلى لاعب في إدارة الأزمات العالمية.
وتفيد التقديرات أن هذا التحرك لا ينبع من طموح جيوسياسي بقدر ما يعكس ضغوطًا اقتصادية وأمنية متزايدة.
وتواجه باكستان وضعًا اقتصاديًا هشًا في ظل التزامات مع صندوق النقد الدولي، إلى جانب تأثرها المباشر بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التصعيد الإقليمي.
وتحذر إسلام آباد من خطر نقص إمدادات الغاز الطبيعي خلال الأسابيع المقبلة، في حال استمرار اضطراب تدفقات الطاقة من الخليج، ما يهدد بتفاقم أزمة ميزان المدفوعات.
وتزيد الجغرافيا من تعقيد الموقف، إذ تمتد الحدود بين باكستان وإيران لنحو 900 كيلومتر، وتشهد نشاطًا لجماعات مسلحة وشبكات تهريب، ما يجعل أي تصعيد إقليمي خطرًا مباشرًا على الاستقرار الداخلي.
كما أن التركيبة الطائفية في باكستان، التي تضم واحدة من أكبر التجمعات الشيعية خارج إيران، تجعلها حساسة للتطورات في طهران، حيث انعكست أحداث الصراع في شكل احتجاجات داخلية.
وتحافظ باكستان على علاقات وثيقة مع دول الخليج، خاصة السعودية، في وقت تتزايد فيه الضغوط لاحتمال انخراطها في ترتيبات أمنية إقليمية.
ويرى محللون أن هامش المناورة أمام إسلام آباد سيكون محدودًا في حال طلبت الرياض دعمًا عسكريًا، في ظل اتفاقات دفاعية قائمة بين الطرفين.
في المقابل، تسعى باكستان إلى تجنب الانجرار إلى الصراع، مفضلة لعب دور الوسيط لتخفيف التصعيد بدل الانخراط المباشر فيه.
ويتمحور هذا الدور حول قنوات اتصال تقودها المؤسسة العسكرية، حيث برز قائد الجيش عاصم منير كشخصية محورية، مستفيدًا من علاقاته مع واشنطن.
كما يحتفظ الجيش الباكستاني بقنوات تواصل مع الحرس الثوري الإيراني، ما يمنحه قدرة على نقل الرسائل بين الطرفين في أوقات الأزمات.
وتُعد هذه القنوات، رغم محدوديتها، أداة عملية لتسهيل التواصل غير المباشر، في ظل انعدام الثقة العميق بين واشنطن وطهران.
ويرى محللون أن موقع باكستان يمنحها ميزة نسبية مقارنة بدول أخرى، إذ تجمع بين القرب الجغرافي من إيران، والتنوع الطائفي، والعلاقات مع الولايات المتحدة ودول الخليج.
كما أن كونها دولة نووية لا تستضيف قواعد أمريكية دائمة قد يجعلها أكثر قبولًا لدى طهران كمكان محتمل للمفاوضات.
في الوقت ذاته، يعزز تاريخها في تمثيل المصالح الإيرانية دبلوماسيًا في الولايات المتحدة من مستوى الثقة النسبية في دورها.
ورغم تصاعد التقارير، لم يصدر تأكيد رسمي بشأن عقد محادثات مباشرة. وتعتمد معظم المعلومات على مصادر غير معلنة، في حين تشير تقارير إلى وجود اتصالات غير مباشرة عبر وسطاء.
وتتضمن المقترحات المطروحة عناصر مثل تخفيف العقوبات، وتقييد البرنامج النووي الإيراني، وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز.
في المقابل، تطالب إيران بضمانات أمنية ووقف العمليات العسكرية وتعويضات، ما يعكس فجوة كبيرة في المواقف.
وتواجه باكستان تحديًا معقدًا، إذ تحاول لعب دور الوسيط بين قوى كبرى، في وقت تعاني فيه من أزمات داخلية وضغوط إقليمية.
لكن في حال نجاح هذه الوساطة، قد تحقق إسلام آباد مكاسب استراتيجية كبيرة، أبرزها تعزيز مكانتها الدولية وجذب ثقة المستثمرين. في المقابل، فإن فشل هذا المسار قد يعرضها لمخاطر إضافية، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الأمني.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74515