بلومبيرغ: محاولة ولي عهد السعودية تقليص الاعتماد على النفط فشلت رغم التقدم في بعض القطاعات

قبل نحو عقد، أطلق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان رؤية طموحة لتقليص اعتماد المملكة على النفط، واعدًا بأن اقتصاد بلاده سيكون قادرًا على الاستمرار دون عائدات النفط بحلول عام 2020. لكن الواقع الحالي، وفق تقرير نشرته بلومبيرغ، يُظهر أن هذه المحاولة لم تحقق هدفها المعلن، وأن السعودية لا تزال تعتمد على النفط بنفس القدر – بل أكثر – مما كانت عليه قبل سنوات.

ارتفاع سعر التعادل وزيادة الاعتماد

تشير تقديرات وحدة “بلومبيرغ إيكونوميكس” إلى أن سعر التعادل المالي للمملكة – أي السعر المطلوب للنفط لتحقيق التوازن في ميزانية الدولة – يبلغ اليوم حوالي 96 دولارًا للبرميل، بينما يتجاوز هذا الرقم 113 دولارًا إذا أُخذت في الحسبان استثمارات صندوق الاستثمارات العامة، المحور المالي الأساسي في تنفيذ رؤية 2030.

في المقابل، بلغ متوسط سعر خام برنت منذ بداية 2024 76.50 دولارًا، وهو ما دفع الحكومة السعودية إلى زيادة الاقتراض في الأسواق الدولية وبيع بعض الأصول لتغطية العجز المالي، وهي خطوات تشير إلى تصاعد التحديات المالية رغم الطموحات التنموية.

إنفاق ضخم… وتأثيرات محدودة

ورغم النمو الملحوظ في الإيرادات غير النفطية، التي ارتفعت من 50 مليار دولار في عام 2016 إلى أكثر من 134 مليار دولار في 2024، فإن زيادة الإنفاق الحكومي، لا سيما على مشاريع عملاقة مثل “نيوم” و”المكعب” في الرياض، أبطلت مفعول هذه المكاسب. والنتيجة: سجلت السعودية عجزًا ماليًا في كل ربع من الأرباع الثمانية الماضية.

وقالت مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري، إن السياسات المالية التوسعية خلال السنوات الماضية تحتاج الآن إلى مراجعة حذرة، مضيفة: “لدى السعودية احتياطيات قوية، لكنها يمكن أن تتآكل بسرعة إذا استمر الإنفاق بهذا المستوى”.

القطاعات غير النفطية… تقدم ملموس لكنه غير كافٍ

تسعى السعودية إلى تنمية قطاعات بديلة مثل السياحة، والتكنولوجيا، والصناعات الحديثة كأشباه الموصلات والسيارات الكهربائية. وقد أظهرت بعض هذه القطاعات نموًا سنويًا يفوق 4.5% في الربع الأول من العام الحالي، لتشكل أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي، البالغ 1.1 تريليون دولار.

لكن اقتصاديين في “بلومبيرغ” يرون أن هذا التقدم لا يُغيّر الصورة الكبرى، حيث لا تزال إيرادات النفط تشكل حوالي 60% من الميزانية الحكومية، وأكثر من 65% من الصادرات، ما يؤكد استمرار اعتماد المملكة على الذهب الأسود.

ارتفاع الضغط المحلي والدولي

وبحسب زياد داود، كبير الاقتصاديين للأسواق الناشئة في “بلومبيرغ إيكونوميكس”، فإن السعودية تحتاج اليوم إلى سعر نفط أعلى مما كانت تحتاجه في عام 2016 لتحقيق التوازن في الحساب الجاري. ويعزو داود ذلك إلى “الإنفاق الحكومي المرتفع، سواء في مشاريع الفخامة أو استجابة لضغوط شعبية غير معلنة”.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة السعودية كانت قد وعدت في السنوات الماضية بالتخلي عن نمط “الإنفاق المرتبط بارتفاع أسعار النفط”، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بعودة هذا النمط في ظل غياب مصادر تمويل كافية من القطاعات غير النفطية.

تصريحات رسمية ودفاع حكومي

من جهتها، أكدت وزارة المالية السعودية في بيان لـ”بلومبيرغ” أن التحول الاقتصادي “ليس مشروعًا قصير الأجل، بل مسعى يمتد لأجيال”، وأن “الزيادات الأخيرة في الإنفاق تعكس مرحلة مبكرة من مشاريع التحول”، مشيرة إلى أن تلك المشاريع ستُدر عوائد مستقبلية وتحسّن الوضع المالي للمملكة على المدى الطويل.

الاستثمار الأجنبي… بعيد عن الطموحات

ورغم الانفتاح الاقتصادي والمبادرات الكبرى لجذب الاستثمارات الأجنبية، لا تزال التدفقات الأجنبية المباشرة أقل من التوقعات. ففي الربع الأول من العام الحالي، تجاوزت الاستثمارات الأجنبية 6 مليارات دولار، لكنها تظل بعيدة عن هدف الحكومة المعلن البالغ 37 مليار دولار سنويًا.

استنتاجات: الاعتماد على النفط مستمر

يرى جيسون توفي، نائب كبير الاقتصاديين في “كابيتال إيكونوميكس”، أن السعودية أحرزت تقدمًا اقتصاديًا لا يمكن تجاهله، لكن الفصل الكامل عن النفط يظل بعيدًا. ويضيف: “السؤال الحقيقي هو: هل يمكن للمملكة تقليص هذا الاعتماد إلى الحد الذي يسمح لها بتوجيه سياساتها المالية بحرية؟ والإجابة: هذا ممكن، لكنه لم يتحقق بعد”.

وفي ضوء ما كشفته بلومبيرغ، يبدو أن السعودية لا تزال تواجه تحديًا بنيويًا كبيرًا في تحقيق رؤيتها الطموحة، وأن التحول بعيد عن الاكتمال رغم الجهود والإصلاحات، خصوصًا في ظل التقلبات العالمية في أسعار النفط والضغوط الداخلية للحفاظ على النمو والوظائف والشرعية الاجتماعية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.