تدخل التجارة العالمية مرحلة اضطراب غير مسبوقة، بعد عام على ما عُرف بـ“يوم التحرير”، حيث تسببت سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجمركية في قلب موازين النظام التجاري الدولي، وفرضت واقعاً اقتصادياً جديداً لا يبدو قابلاً للتراجع بسهولة.
ولا يزال الاقتصاد العالمي يدفع ثمن قرارات واشنطن، رغم إلغاء جزء كبير من الرسوم الجمركية بقرار من المحكمة العليا الأمريكية، وتخفيف بعضها عبر استثناءات واتفاقيات لاحقة، إلا أن الأثر البنيوي لهذه السياسات لا يزال قائماً.
وتشير البيانات إلى أن إدارة ترامب نفذت أكثر من 50 تغييراً في السياسة التجارية خلال عام واحد، وهو مستوى غير مسبوق من التقلب، أدى إلى إرباك الأسواق والشركات، ودفع الحكومات إلى إعادة حساباتها الاقتصادية.
وبدأ معدل التعرفة الجمركية الفعلي في الولايات المتحدة عام 2025 عند نحو 2%، وهو مستوى ظل مستقراً لسنوات، قبل أن يقفز بشكل حاد إلى 21% بعد فرض الرسوم الجديدة، في أعلى مستوى يُسجل منذ قرن تقريباً.
ورغم تراجعه لاحقاً إلى نحو 11% بعد تدخل القضاء، فإن هذا المستوى لا يزال مرتفعاً مقارنة بالسنوات السابقة، ما يعكس تحولاً جذرياً في نهج واشنطن تجاه التجارة الدولية.
وتظهر التداعيات بوضوح في عدة اتجاهات، أولها إعادة تشكيل التحالفات التجارية، حيث بدأت الدول بالبحث عن شركاء جدد لتقليل اعتمادها على السوق الأمريكية، في ظل حالة عدم اليقين التي خلقتها السياسات المتقلبة.
كما تواجه الشركات العالمية تحديات متزايدة، إذ باتت مضطرة للتعامل مع بيئة تجارية غير مستقرة، تتغير فيها القواعد بشكل متكرر، ما يرفع تكاليف التخطيط والاستثمار.
على صعيد الداخل الأمريكي، انعكست هذه السياسات على قطاع التصنيع، حيث ارتفعت تكاليف المدخلات الصناعية، وهو ما تم تمرير جزء منه إلى المستهلكين، ما ساهم في زيادة الضغوط التضخمية.
وتكشف البيانات عن فقدان نحو 89 ألف وظيفة في قطاع التصنيع خلال الأشهر التي تلت فرض الرسوم، في مؤشر على أن الحماية الجمركية لم تحقق النتائج الموعودة على مستوى سوق العمل.
في المقابل، تحاول الإدارة الأمريكية الترويج لمؤشرات إيجابية، مثل تحسن بعض مؤشرات النشاط الصناعي، إلا أن هذه المؤشرات لا تخفي استمرار ارتفاع الأسعار، وهو ما يثير مخاوف بشأن استدامة هذا التعافي.
أما على المستوى الدولي، فقد أظهرت الصين قدرة لافتة على التكيف، إذ نجحت في إعادة توجيه صادراتها إلى أسواق بديلة، محققة فائضاً تجارياً قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار في عام 2025.
ويعكس ذلك فشل الرهان الأمريكي على إجبار الدول على تقديم تنازلات للوصول إلى السوق الأمريكية، حيث اختارت العديد من الاقتصادات تنويع شراكاتها بدلاً من الخضوع للضغوط.
في السياق ذاته، تواجه الشركات متعددة الجنسيات تحديات كبيرة في إعادة هيكلة عملياتها، حيث لم يعد النموذج التقليدي للتجارة العالمية قائماً، ما يفرض إعادة توزيع سلاسل التوريد والاستثمارات.
ويحذر قادة الشركات من أن هذه التحولات ستستغرق سنوات، ولن تكون هناك حلول سريعة، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل السياسات التجارية الأمريكية.
في المقابل، تدافع إدارة ترامب عن هذه السياسات، معتبرة أنها ساهمت في تقليص العجز التجاري، وإعادة التفاوض على الاتفاقيات، وجذب استثمارات صناعية جديدة إلى الولايات المتحدة.
لكن هذا الخطاب يصطدم بواقع اقتصادي أكثر تعقيداً، حيث تظهر المؤشرات أن كلفة هذه السياسات قد تكون أعلى من مكاسبها، سواء على مستوى الداخل الأمريكي أو النظام التجاري العالمي.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74566