المرتزقة الكولومبيون في حرب السودان… أبوظبي في قلب العاصفة

تشهد كولومبيا في الأسابيع الأخيرة جدلًا واسعًا بعد انكشاف تورط عسكريين متقاعدين من قواتها المسلحة في حرب السودان، بتمويل ودعم إماراتي مباشر. القضية، التي فجرتها سلسلة من التحقيقات الاستقصائية، لم تعد محصورة في نطاق الإعلام، بل وصلت إلى أروقة الكونغرس الكولومبي ومجالس الأمن الدولية، لتعيد ملف الارتزاق العابر للحدود إلى دائرة الضوء.

سوق عالمي للمرتزقة

صحيفة “لا سيلا فاسيا” الكولومبية الاستقصائية كشفت منذ 2024 عن شبكة معقدة لتجنيد عسكريين متقاعدين، أُنشئت عبر شركات خاصة أبرزها A4SI International Services Agency التي أسسها العقيد المتقاعد ألفارو كيخانو والرائد عمر رودريغيز بيدويا، قبل أن تنتقل ملكيتها لزوجة كيخانو عام 2022.

هذه الشركة غيّرت نشاطها من الاستشارات الأمنية إلى إرسال مقاتلين كمرتزقة نحو السودان، تحت غطاء عقود عمل في الإمارات. أحد هؤلاء المرتزقة، الملقب بـ”سيزار”، أكد في مقابلة مصورة أنه تقاضى ما بين 2000 و3000 دولار شهريًا مقابل قيادة عمليات ميدانية في دارفور وكردفان، بما في ذلك تشغيل طائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي، وتدريب مجندين محليين.

الأخطر ما كشفه عن قاعدة عسكرية إماراتية في مدينة بوصاصو بأرض الصومال، تُستخدم محطة لوجستية لنقل المرتزقة والأسلحة إلى جنوب دارفور. هذه الشهادة عززت الشبهات حول تورط إماراتي منظم في تسهيل حركة المقاتلين والعتاد.

الإمارات… الممول الخفي

تحقيقات صحف أميركية كبرى مثل واشنطن بوست وسي إن إن، إلى جانب مذكرات من مشرعين أميركيين وبريطانيين، أكدت وجود دعم إماراتي واسع لقوات الدعم السريع، يشمل تزويدها بأسلحة متطورة مثل المسيّرات والمدفعية وأنظمة الدفاع الجوي.

وزير الخارجية الأميركي أقر أمام الكونغرس بوجود هذا الدعم، ما طرح تساؤلات عميقة حول مدى التزام أبوظبي بالقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن المتعلقة بحظر السلاح على دارفور.

بالنسبة للمحللين، فإن الإمارات لا تتحرك من فراغ؛ بل تنفذ حرب وكالة عبر تمويل وتسليح المليشيات وتجنيد مرتزقة أجانب، في محاولة لتعزيز نفوذها الاستراتيجي في القرن الأفريقي الغني بالموارد والمواقع الحيوية.

السودان يندد ويطالب بتحقيق دولي

في 4 أغسطس/آب 2025، أصدرت وزارة الخارجية السودانية بيانًا شديد اللهجة اتهمت فيه أبوظبي بـ”انتهاك السيادة الوطنية عبر تمويل ورعاية مرتزقة أجانب وتوفير دعم عسكري لمليشيا الدعم السريع”.

الوزارة أعلنت أنها قدمت وثائق وأدلة لمجلس الأمن تثبت هذه الممارسات، ودعت إلى تحقيق دولي مستقل. البيان عكس تصميم الخرطوم على تدويل القضية، وسط مخاوف من أن يطيل التدخل الخارجي أمد الصراع ويقوض فرص السلام.

كولومبيا بين الحرج والانقسام

الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو كان قد قدم في أكتوبر/تشرين الأول 2024 اعتذارًا رسميًا للسودان، مؤكدًا رفض بلاده لاستخدام مواطنيها كمرتزقة. كما دعا إلى تشريع يجرّم هذا النشاط، وأمر وزارة الخارجية بالتحقق من أعداد القتلى بين المرتزقة الكولومبيين.

وزير الدفاع بيدرو سانشيز شدد على أن “على أفراد القوات العامة خدمة وطنهم لا أن يجلبوا الموت والألم إلى أماكن أخرى”، معلنًا فتح تحقيقات مع الشركات المتورطة، بينها شركتان كولومبيتان وأخرى إماراتية.

لكن في المقابل، يواجه مشروع قانون مكافحة المرتزقة معارضة شرسة في الكونغرس. النائب جون جايرو بيريو وصفه بأنه “معيب قانونيًا” و”ظالم اجتماعيًا” بحق العسكريين المتقاعدين، معتبرًا أن سوق المرتزقة يوفر “ميزة تنافسية تعتمد على خبرة رأس المال البشري الكولومبي”. هذا الجدل يعكس انقسامًا داخليًا بين الرغبة في حماية سمعة الدولة وبين مصالح اقتصادية لبعض العسكريين السابقين.

تداعيات إقليمية ودولية

يرى محللون أن تورط مرتزقة كولومبيين بتمويل إماراتي في حرب السودان يكرّس تحويل الصراع إلى حرب وكالة إقليمية. هذا النمط لا ينتهك فقط سيادة السودان، بل يهدد استقرار القرن الأفريقي بأسره، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية في منطقة حيوية تربط بين الخليج وأفريقيا.

كما يشير الخبراء إلى أن استخدام أسلحة متطورة وتجنيد الأطفال سيؤدي إلى تصعيد الصراع وتعقيد أي مفاوضات سلام. في الوقت نفسه، يزداد الضغط الدولي على الإمارات لوقف دعمها العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع، وسط دعوات إلى فرض عقوبات جديدة على أبوظبي إذا استمر هذا النهج.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.