أكد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والسفير الحالي لدى تركيا، توم باراك، أن دعم الولايات المتحدة للرئيس السوري الجديد أحمد الشرع يمثل حجر الزاوية في جهود واشنطن لتقليص النفوذ الإيراني في سوريا ومنع تنظيم “داعش” من إعادة تنظيم صفوفه.
وقال باراك خلال لقاء مع الصحفيين في العاصمة الأميركية يوم الخميس، إن “الأهداف الأميركية تتلاقى حالياً مع أهداف الرئيس الشرع ومع أهداف معظم الحلفاء، لكننا نواجه محاولات حثيثة لتقويض هذه العلاقة من جهات إقليمية ودولية”.
إيران وداعش: تهديد مزدوج
وأشار باراك إلى أن “قوات الحرس الثوري الإيراني وتنظيم الدولة الإسلامية يتشاركون في العديد من أساليب زعزعة الاستقرار، رغم اختلاف الأيديولوجيا”، مشدداً على أن كلا الطرفين يسعى إلى إضعاف النفوذ الأميركي والغربي في سوريا والمنطقة الأوسع.
يأتي هذا في الوقت الذي تستمر فيه طهران في دعم ميليشيات موالية لها داخل سوريا، في حين تنشط خلايا تنظيم داعش في المناطق الشرقية من البلاد، مستفيدة من فراغات أمنية وتوترات عرقية وطائفية.
خلفية: صعود الشرع بعد سقوط الأسد
ويُذكر أن أحمد الشرع، القائد السابق لجبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة، قاد تحالفاً من الفصائل الإسلامية والمقاتلين المنشقين عن الجيش السوري السابق في هجوم عسكري مفاجئ أواخر العام الماضي أطاح بنظام بشار الأسد. سقوط الأسد، الذي حكم سوريا لأكثر من 24 عامًا بدعم إيراني وروسي مباشر، أعاد تشكيل المشهد السياسي بشكل جذري.
وقد أثار دعم واشنطن للشرع جدلاً واسعاً، خاصة بسبب ماضيه المرتبط بجبهة النصرة، لكن باراك دافع عن هذا الموقف قائلاً: “لقد تغيّر الشرع، وما نحتاجه الآن هو شخصية قادرة على توحيد البلاد وتحقيق الأمن. ليس لدينا ترف الخيارات المثالية”.
لقاء مع ترامب وتخفيف العقوبات
وبدعم من أنقرة والرياض، التقى الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في الرياض في مايو الماضي، حيث اتفق الطرفان على حزمة تفاهمات شملت رفعاً جزئياً للعقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة على سوريا، مقابل التزامات من الشرع بإبعاد المتطرفين عن الحكومة الجديدة وطرد المقاتلين الأجانب من الأراضي السورية.
لكن هذا التفاهم تعرض لانتقادات بعد ورود تقارير عن “فظائع طائفية” ارتكبتها قوات الشرع خلال الشهر الماضي، أبرزها في المناطق ذات الغالبية الدرزية، ما أسفر عن مقتل أكثر من 1300 شخص.
الموقف الإسرائيلي: قلق وتحركات عسكرية
أثارت هذه الأحداث قلق إسرائيل، التي تعتبر نفسها مسؤولة عن حماية الطائفة الدرزية، الموجودة أيضاً داخل حدودها وفي لبنان. ومع تصاعد القتال في الجنوب السوري، دفعت إسرائيل بقواتها إلى بعض المناطق داخل الأراضي السورية ونفذت سلسلة من الغارات الجوية استهدفت مواقع تابعة لقوات الشرع ووزارة الدفاع في دمشق.
كما طالبت تل أبيب بإقامة منطقة منزوعة السلاح جنوب العاصمة السورية، في خطوة وصفتها مصادر دبلوماسية بأنها تعكس “انعدام الثقة الكامل” تجاه النظام الجديد في دمشق.
هدنة هشة برعاية أميركية
وفي ظل التصعيد الميداني، نجحت الولايات المتحدة خلال الأسبوعين الماضيين في التوسط لاتفاق وقف إطلاق نار مؤقت، لا يزال صامدًا رغم الخروقات المتكررة.
وقال المبعوث الأميركي باراك إن واشنطن تسعى إلى لعب دور الوسيط “النزيه” بين الأطراف، مضيفاً: “نعلم أن السلام لن يتحقق بين عشية وضحاها، لكن من مصلحتنا ومصلحة المنطقة أن نمنع الانفجار الشامل”.
دعم مشروط واستقرار هش
رغم التصريحات الداعمة، شدّد باراك على أن دعم واشنطن للشرع ليس مطلقًا، موضحًا أن “الولايات المتحدة تحتفظ بحقها في مراجعة موقفها في حال انحرف الشرع عن التزاماته، خصوصاً فيما يتعلق بحقوق الأقليات ومنع عسكرة الدولة من جديد”.
وأشار مراقبون إلى أن واشنطن تستثمر في الشرع كـ”رجل المرحلة الانتقالية” القادر على تفكيك البنية الموالية لإيران، وتمهيد الطريق لعملية سياسية أكثر شمولاً. لكنهم حذروا في الوقت ذاته من أن تجاوزات قواته قد تعيد البلاد إلى دوامة الطائفية والفوضى.
ويبقى أن الدعم الأميركي للشرع يُنظر إليه كمحاولة لإعادة ترتيب الأوراق في سوريا بعد سنوات من الحرب. لكن التحديات لا تزال كثيرة، في ظل تعدد الفاعلين، وتضارب المصالح الإقليمية، والمخاوف من انتكاسة أمنية، سواء من فلول داعش أو من تنامي دور إيران.
وبينما تبدو واشنطن مصمّمة على احتواء النفوذ الإيراني وتثبيت حليفها الجديد، فإن المسار السوري يبقى محفوفًا بالشكوك والانقسامات، ما يجعل من المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الجديد على الصمود والتحوّل نحو الاستقرار الفعلي.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72202