في مايو 2024، دخلت الكويت مرحلة سياسية استثنائية حين أصدر أمير البلاد، الشيخ مشعل الأحمد الصباح، أمرًا أميريًا بتعليق بعض مواد الدستور وحلّ مجلس الأمة المنتخب، في خطوة غير مسبوقة منذ أكثر من ثلاثة عقود، مانحًا لنفسه والحكومة سلطات تشريعية وتنفيذية كاملة لمدة أقصاها أربع سنوات.
القرار جاء في خضم أزمة سياسية مزمنة بين البرلمان والحكومة، شهدت تعطيلًا متكررًا للمشاريع التنموية وتبادل الاتهامات بين نواب معارضين ووزراء معينين. وبرر الأمير خطوته بأنها تهدف إلى “إنقاذ الدولة” من الانسداد السياسي المزمن وإعادة ترتيب البيت الداخلي.
وأبرز “البيت الخليجي للدراسات والنشر” أنه بعد مرور أكثر من عام على هذا التعليق، بدأت الأسئلة تتصاعد بشأن نوايا السلطة الحقيقية: هل تسعى فعلاً إلى إصلاح دستوري شامل يعيد التوازن إلى العلاقة بين السلطتين؟ أم أن البلاد تتجه نحو تثبيت واقع سلطوي على غرار بقية دول الخليج؟
تجربة ديمقراطية فريدة… لكنها مأزومة
منذ اعتماد دستور 1962، ظلت الكويت تُمثل حالة استثنائية في منطقة الخليج بفضل نظامها البرلماني وتقاليدها الديمقراطية. وكان مجلس الأمة الكويتي يتمتع بسلطات تشريعية ورقابية مؤثرة، من ضمنها حق استجواب الوزراء والمشاركة في تثبيت ولاية العهد.
لكن على الرغم من هذا الإرث، لم تكن الحياة السياسية مستقرة. فمنذ عام 2006، أجريت عشرة انتخابات لمجلس الأمة، ولم يُكمل سوى مجلس واحد مدته الدستورية، وسط خلافات حادة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. ومع استمرار هذا النمط من الأزمات، بدا التوافق ينشأ تدريجيًا داخل النخبة الحاكمة على وجود خلل هيكلي يحتاج إلى تدخل جراحي.
التعليق الثالث… وعود بلا جدول زمني
القرار الأميري بتعليق البرلمان ليس سابقة، فقد شهدت البلاد تعليقًا مشابهًا في عامي 1976 و1986. لكن ما يميّز تعليق 2024 أنه جاء في ظل مشهد سياسي داخلي مأزوم وتحت غطاء إصلاحي معلن.
في خطاب التعليق، تعهد الأمير بأن الخطوة مؤقتة، وتهدف إلى مراجعة العملية الديمقراطية وتصحيح المسار السياسي، وأعلن عن تشكيل لجنة من الخبراء لوضع مقترحات لتعديل الدستور خلال ستة أشهر، تُعرض لاحقًا على مجلس أمة جديد أو على استفتاء شعبي.
ورغم أن هذه التعهدات ساهمت في تهدئة المخاوف الأولية، إلا أن مرور عام دون إعلان نتائج عمل اللجنة أو فتح نقاش علني حول الإصلاحات، أثار الشكوك حول جدية التوجه نحو مسار ديمقراطي مستقبلي.
تغييرات شكلية أم إصلاح جوهري؟
من أبرز الإجراءات التي تلت التعليق تعيين حكومة تكنوقراط جديدة برئاسة الشيخ أحمد ناصر المحمد، إضافة إلى اختيار الشيخ صباح الخالد الصباح وليًا للعهد، ما أعاد بعض الاستقرار المؤسسي. لكن المراقبين يشيرون إلى أن هذه الخطوات تظل “إدارية”، ولا تمس جوهر الأزمة المتعلقة بتوزيع السلطات والتمثيل الشعبي.
وتشير بعض التسريبات إلى أن الإصلاحات الدستورية المقترحة قد تشمل تقليص صلاحيات مجلس الأمة، وتحديدًا في مسائل استجواب الوزراء واختيار ولي العهد، إضافة إلى تعديل قانون الانتخاب ليقتصر التصويت على حاملي الجنسية الأصلية فقط، وهو ما يتقاطع مع موجة إسقاط الجنسية التي شملت آلاف المواطنين خلال العام الماضي.
الداخل يترقب… والخارج يراقب بصمت
رغم عدم خروج مظاهرات احتجاجية واسعة، لا يزال الشارع الكويتي يعيش حالة ترقب وحذر. وتُظهر استطلاعات رأي محلية أن غالبية المواطنين ترى في مجلس الأمة ضرورة لضمان التوازن السياسي ومراقبة أداء الحكومة.
أما إقليميًا، فقد لقي قرار التعليق دعمًا غير مباشر من دول الخليج، التي طالما نظرت بتوجس إلى التجربة الديمقراطية الكويتية، واعتبرت البرلمان الكويتي “نموذجًا مقلقًا” لعدوى المشاركة الشعبية. وتشير تقارير دبلوماسية إلى أن القرار الكويتي ألقى بظلاله على المسار الديمقراطي في قطر، التي جمدت هي الأخرى خطواتها الانتخابية بعد انتخابات 2021.
دوليًا، التزمت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الصمت، مكتفية ببيانات دبلوماسية حذرة. ويُعزى ذلك إلى أولويات الغرب الحالية في ملفات أكثر سخونة، مثل الحرب في غزة وتوترات الخليج مع إيران، ما سمح بمرور القرار الكويتي دون انتقادات قوية من حلفاء الديمقراطية التقليديين.
ثلاثة سيناريوهات على الطاولة
مع اقتراب منتصف المدة المعلنة لتعليق الحياة البرلمانية، تظهر ثلاثة سيناريوهات ممكنة:
السيناريو السلبي: تمديد غير معلن للتعليق وتحويله إلى واقع دائم، ما يعني نهاية تدريجية للديمقراطية الكويتية كنموذج متميز في المنطقة.
سيناريو الإصلاح الجاد: إطلاق حزمة تعديلات دستورية حقيقية تعيد الحياة النيابية بتوازن جديد يضمن استقرار الحكم دون التضحية بمبدأ المشاركة الشعبية.
السيناريو الرمادي: العودة إلى الوضع السابق كما كان قبل التعليق، دون إصلاحات جوهرية، مما يعني استمرار نمط الأزمات المزمنة والصراع بين السلطتين.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72132