تواجه الكويت تصاعدًا غير مسبوق في الظواهر المناخية المتطرفة، جعلها واحدة من أكثر مناطق العالم حرارة، فيما يدفع الأطفال الثمن الأكبر، وخصوصًا أطفال فئة البدون، الذين يجدون أنفسهم في قلب أزمة مزدوجة تجمع بين التهميش القانوني والمخاطر المناخية المتفاقمة.
وخلال السنوات الأخيرة، تحوّل الصيف في الكويت إلى موسم خطر مفتوح، حيث درجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية، وليالٍ خانقة لا تنخفض فيها الحرارة، وفترة حر ممتدة من مايو حتى نوفمبر، باتت واقعًا متكررًا لا استثناءً عابرًا.
وتشير أبحاث علمية إلى أن التعرض للحرارة الشديدة في الكويت يمكن أن يضاعف خطر الوفاة أو يزيده إلى أكثر من ثلاثة أضعاف. وبينما يؤثر هذا الواقع على جميع السكان، فإن الأطفال المنتمين إلى فئة البدون يُعدّون من بين الأكثر عرضة للخطر.
فالتعرض للحرارة لا يتوزع بالتساوي. ففي عموم البلاد، تُغلق الملاعب، وتتوقف الأنشطة الخارجية، ويصبح المشي إلى المدرسة تحديًا صحيًا.
إلا أن أوضاع أطفال البدون أكثر قسوة، إذ تعيش كثير من عائلاتهم في مناطق مكتظة مثل تيماء والصليبية والأحمدي، داخل مساكن سيئة العزل تحبس الحرارة حتى بعد غروب الشمس.
وتفاقم ظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية” من حدة المشكلة، حيث تبقى الأحياء الفقيرة أكثر دفئًا من غيرها، ما يحرم الأطفال من أي فترات راحة حقيقية.
وتتحول هذه الظروف إلى مخاطر يومية تشمل الجفاف، والإجهاد الحراري، واضطرابات النوم، وآثار صحية طويلة الأمد. ومع محدودية الوصول إلى الرعاية الصحية، تصبح هذه الأخطار أكثر تهديدًا، خصوصًا للأطفال المصابين بأمراض مزمنة أو ضعف مناعي.
ولا تشكل المدارس بالضرورة ملاذًا آمنًا. فطلاب البدون غالبًا ما يدرسون في مبانٍ ذات أنظمة تبريد أضعف، ومساحات مظللة أقل، وبنية تحتية متدهورة.
وخلال موجات الحر، تتحول الفجوات بين مدارسهم والمدارس الحكومية أو الخاصة الأخرى إلى عامل إضافي للتعرض للخطر، بدل أن تكون المدرسة مساحة حماية.
ولا تنتهي الأزمة مع انتهاء الصيف. فالشتاء في الكويت، رغم اعتداله نسبيًا مقارنة بدول أخرى، يجلب بدوره مشقة قاسية لأطفال البدون.
ففي الفترة من ديسمبر إلى فبراير، يمكن أن تنخفض درجات الحرارة ليلًا إلى الصفر أو دونه أحيانًا، مع رياح شمالية غربية قوية وصقيع متقطع.
وتعيش عائلات البدون في مساكن من الطوب أو الصفائح المعدنية، بأسلاك كهربائية رديئة، من دون تدفئة أو عزل فعلي، ما يجعل درجات حرارة تقل عن خمس درجات مئوية خطرًا حقيقيًا داخل المنازل.
في هذه الظروف، يصبح الأطفال أكثر عرضة لالتهابات الجهاز التنفسي، والإجهاد البارد، واضطرابات النوم، وحتى انخفاض حرارة الجسم داخل بيوتهم، في ظل غياب الحماية الصحية المنتظمة.
ويكشف الشتاء كذلك عن أوجه عدم مساواة متجذّرة، حيث يحرم كثير من أطفال البدون من التعليم الجيد بسبب ارتفاع التكاليف أو اقتصار قبولهم على مؤسسات مكتظة وضعيفة التمويل. وتواجه الفتيات مخاطر إضافية، إذ يُجبر بعضهن على ترك المدارس والعمل في البيع المتجول، ما يعرضهن مباشرة للطقس القاسي وظروف غير آمنة.
ومع تكرار موجات الحر في الصيف وبرد الشتاء، لم تعد هذه التحديات أحداثًا منفصلة، بل جزءًا من نمط مناخي متدهور.
وذكرت أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان أن أطفال البدون يعانون أصلًا من نقص في الحقوق الأساسية، وسكن هش، ووصول محدود إلى الرعاية الصحية، وخيارات تعليمية مقيدة، ما يجعلهم أكثر الفئات تأثرًا بتغير المناخ مقارنة بأقرانهم المواطنين.
ولا تقتصر هذه الأزمة على بعدها البيئي، بل تمثل أزمة حقوق طفل مكتملة الأركان. فلكل طفل في الكويت، بغض النظر عن وضعه القانوني، الحق في الصحة، والسكن الآمن، والتعليم، والحماية من الأذى.
إلا أن تغير المناخ بات يهدد هذه الحقوق الأربعة مجتمعة بالنسبة لأطفال البدون، في ظل غياب سياسات حماية شاملة تعالج التفاوت البنيوي وتربط الاستجابة المناخية بالعدالة الاجتماعية.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتكرار الظواهر الجوية القاسية، يزداد خطر ترسيخ عدم المساواة، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة تضع حقوق الأطفال الأكثر هشاشة في صلب السياسات المناخية والإنسانية في الكويت.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74086