مأساة جديدة في بحر العرب: ارتفاع حصيلة ضحايا غرق قارب قبالة سواحل اليمن إلى 68 قتيلاً

في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المرتبطة بالهجرة غير النظامية هذا العام، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن 68 شخصاً على الأقل لقوا حتفهم بعد غرق قارب يقل مهاجرين أفارقة في بحر العرب قبالة سواحل محافظة أبين جنوب اليمن، بينما لا يزال عشرات آخرون في عداد المفقودين.

ووفقاً لتحديث رسمي قدمه عبد الستار إيسوييف، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة، فإن القارب كان يقل 157 شخصًا، ولم يُنقذ منهم حتى الآن سوى 12 ناجياً فقط. أما بقية الركاب، فإما قضوا غرقًا أو لا يزال مصيرهم مجهولًا وسط استمرار عمليات البحث والإنقاذ في المياه الإقليمية اليمنية.

ظروف جوية قاسية تسببت في الكارثة

وقالت مصادر أمنية في محافظة أبين إن القارب، الذي انقلب فجر الأحد قبالة مديرية أحور، واجه رياحًا شديدة وأحوالاً جوية سيئة أدت إلى انقلاب المركب وغرقه بشكل شبه كامل. وكان القارب محمّلًا بأعداد تفوق طاقته الاستيعابية، وهو ما ساهم في تفاقم الكارثة.

وأكد عبد القادر باجميل، مدير الصحة في مديرية زنجبار، لوكالة “رويترز” أن السلطات المحلية تمكنت من انتشال جثث 54 شخصًا حتى الآن، من بينهم نساء ورجال، كما تم إنقاذ 10 ناجين بينهم تسعة إثيوبيين ويمني واحد. وأوضح أن عمليات البحث لا تزال جارية وسط مخاوف من ارتفاع عدد الضحايا.

المهاجرون: بين الموت في البحر أو الجوع على اليابسة

تشير التقديرات إلى أن معظم الركاب كانوا مهاجرين غير نظاميين من إثيوبيا، كانوا في طريقهم إلى اليمن، ومنه إلى دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية، على أمل العثور على فرص عمل وتحسين ظروف حياتهم.

وتُظهر البيانات التي قدمتها المنظمة الدولية للهجرة أن اليمن لا يزال يشهد تدفقًا متزايدًا للمهاجرين الأفارقة، رغم النزاعات المسلحة والفقر وانعدام الأمن الذي تعاني منه البلاد. وقد وصل أكثر من 37 ألف مهاجر إلى اليمن خلال الربع الأول فقط من عام 2025، مقارنة بـ60 ألفًا خلال العام الماضي بأكمله.

اليمن… محطة عبور محفوفة بالمخاطر

لطالما كانت السواحل الشرقية والغربية لليمن نقطة عبور رئيسية للمهاجرين من القرن الأفريقي، خصوصاً من إثيوبيا والصومال، الذين يسلكون طرقًا بحرية خطيرة عبر خليج عدن أو بحر العرب في اتجاه اليمن، بهدف مواصلة الرحلة براً نحو الحدود السعودية.

لكن تلك الرحلات تكون محفوفة بالمخاطر، ليس فقط بسبب الظروف الجوية أو تهالك القوارب المستخدمة، بل أيضاً نتيجة لأنشطة التهريب وسوء المعاملة من قبل الشبكات الإجرامية التي تستغل ضعف المهاجرين مقابل المال، وتتركهم غالباً للمصير المجهول.

كارثة تتكرر… ولا حلول

رغم تكرار الحوادث المأساوية، لم يتم اتخاذ خطوات كافية للحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية عبر اليمن. ففي السنوات الخمس الأخيرة، سجلت المنظمة الدولية للهجرة عشرات الحوادث المشابهة، معظمها قبالة سواحل شبوة وأبين والحديدة، وأسفرت عن مئات الوفيات، دون أن تلوح بوادر حقيقية لمعالجة الأسباب الجذرية.

ويرى مراقبون أن الكارثة الأخيرة تعكس فشلًا دوليًا وإقليميًا في احتواء تداعيات الفقر والنزاعات في دول القرن الأفريقي، من جهة، وفي توفير بدائل آمنة للهجرة أو تنظيم حركة التنقل والعمل عبر الحدود، من جهة أخرى.

دعوات لتكثيف الجهود الإنسانية

وعقب الحادثة، دعت المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى تعزيز آليات الإنقاذ البحري وتحسين شبكات الإنذار المبكر، بالإضافة إلى توفير دعم أكبر للناجين وضحايا الحوادث، خصوصاً في مناطق العبور مثل اليمن، التي تعاني هي الأخرى من وضع إنساني هش.

كما طالب ناشطون حقوقيون ومنظمات إنسانية المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه المهاجرين الفارين من الفقر والجفاف والصراعات المسلحة، والعمل على توفير حلول جذرية تشمل برامج دعم في بلدان المنشأ، إضافة إلى ممرات آمنة وقانونية للهجرة.

مأساة إنسانية مستمرة

يُعد حادث غرق القارب قبالة سواحل أبين حلقة أخرى في سلسلة طويلة من المآسي التي يعاني منها المهاجرون في المنطقة، والذين يجدون أنفسهم عالقين بين الموت غرقاً في البحر، أو الاحتجاز والانتهاكات على اليابسة.

ومع استمرار الأزمات الإنسانية والاقتصادية في دول القرن الأفريقي، وغياب سياسات هجرة متكاملة في دول العبور والمقصد، من المتوقع أن تتكرر هذه الحوادث، ما لم تتحرك الحكومات والمنظمات الدولية بجدية لإنقاذ أرواح الأبرياء قبل أن يُدفع المزيد منهم نحو الهاوية.

ويبقى البحر العربي شاهدًا صامتًا على أحلام الغرقى الذين حاولوا الهروب من الفقر فوجدوا الموت في عرض البحر.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.